المرجو منكم إخواني الأفاضل و أخواتي الفضليات التسجيل معنا و مشاركتنا بما تفيض به أقلامكم
مرحبا بكم أخي الفاضل / أختي الفاضلة تشرفنا زيارتكم و نرجو أن تقضوا معنا أمتع الأوقات و اللحظات كما نرجو من سيادتكم التسجيل معنا إن لم تتسجلوا بعد و بارك الله فيكم أخي الفاضل / أختي الفاضلة

قل : " لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

لا تنسونا من صالح دعائكم أخي الفاضل / أختي الفاضلة

المرجو منكم إخواني الأفاضل و أخواتي الفضليات التسجيل معنا و مشاركتنا بما تفيض به أقلامكم

يمكنكم مراسلتي عبر البريد الإلكتروني Hassouniway@hotmail.fr لتقديم اقتراحاتكم و آرائكم و شكرا مسبقا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 يوميات فتاة مسلمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2
كاتب الموضوعرسالة
houcine



عدد المساهمات : 721
نقاط : 73440
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: الحلقة الخامسة و العشرين   الجمعة يوليو 29, 2011 6:10 am

الحلقة الخامسة و العشرين






كانت راوية
مكتئبة حزينة طوال الأسبوع... كنت أعلم السبب، لكنني لم أستطع مواساتها.
فقد كان قرارها و عليها الآن أن تتحمل مسؤوليته كاملة و ترمي بالماضي وراء
ظهرها...

كانت المحاضرة على وشك البدء، و كنت أتخذ مكاني على المدرج. انتبهت إلى
فتاتين جلستا أمامنا و قد راحتا في ضحك خافت متواصل، ثم سمعت إحداهما تهمس
في لهفة :
ـ ها... و ماذا حصل فيما بعد؟

فردت الأخرى و هي تسيطر على ضحكها بصعوبة :
ـ و ماذا تظنين؟ بالطبع تركته بعد أن جعلته يتعلق بها... فتلك كانت خطتها
من البداية! و لا أشك أن رهاناً ما كان بينها و بين صديقتها على الإيقاع
به!

شهقت الأخرى و هي تهتف :
ـ اللئيمة! بعد كل التنازلات التي أقدم عليها من أجل إرضائها؟! الحقيقة لقد دهشت حين علمت أنه بالفعل نفذ كل طلباتها الغريبة تلك...

هتفت راوية في ضيق :
ـ لم أعد أتحمل... يجب أن أخرج!

جمعت أدواتها بسرعة و حملتها على ذراعها ثم خرجت على عجل من القاعة!

ترددت نظراتي بين المحاضر الذي دخل القاعة للتو و بين راوية التي خرجت دون سابق إنذار، و لم أدر ما يتوجب علي فعله...
لكن حيرتي لم تدم كثيراً، إذ اقترب مني شاب وصل متأخراً و استأذن في الجلوس إلى جانبي... فأفسحت له الطريق و خرجت بسرعة على إثر راوية...


تلفتت حولي للحظات حين وجدت نفسي في الساحة التي أقفرت تقريباً إلا من عدد قليل من الطلبة المتخلفين عن محاضراتهم. كنت أبحث عن راوية التي خرجت كالسهم فلم أتمكن من اللحاق بها في الحين. ظللت أجيل بصري لبعض الوقت و لا أثر لراوية! ركضت نحو المشرب العام، المكتبة العمومية... ثم ناحية دورات المياه... لا فائدة!
عدت إلى الساحة و أنا أعقد حاجبي تساؤلاً و دهشة... أين تكون قد اختفت تلك
الفتاة؟؟ لم يبق إلا موقف السيارات لم أبحث فيه بعد... و رغم أنني أعلم
جيداً أن راوية ليس لديها سيارة إلا أنني توجهت إلى هنالك كحل أخير ليس بعد حل إلا أن تكون غادرت الكلية تماماً... مع أننا لا نزال في أول النهار!

و لشد ما دهشت حين لمحت راوية عن بعد تجلس على
مقعد حجري في آخر الموقف و قد أسندت رأسها إلى الجدار الخلفي، مغمضة
العينين في إعياء واضح... اقتربت منها في هدوء و جلست إلى جانبها.
انتبهت إلى حفيف ثوبي فقالت دون أن تفتح عينيها :
ـ آه... وجدتني إذن...

ابتسمت و قلت مداعبة :
ـ يا سلام... و هل تظنين بأنك قادرة على الاختفاء و الهرب مني؟؟

ابتسمت بدورها و هي تعتدل في جلستها و تلتفت إلي :
ـ طبعاً طبعاً... و كيف لي أن أهرب منك... و أنت تلازمينني كظلي!

دفعتها دفعة خفيفة متصنعة الغيظ و قلت :
ـ و الآن... ها قد حرمتني من المحاضرة... هلا أخبرتني ما الذي يضايقك؟

لم أجد منها إلا صمتاً و إطراقاً فتابعت :
ـ أعلم أن حديث تينك الفتاتين أثار في نفسك أشياء و أشياء... هل أنا مخطئة؟

ردت متجاهلة كلامي :
ـ كنت في حاجة إلى بعض الهدوء و حسب...

لكنني واصلت في تأكيد :
ـ ربما ظننت ما تقولانه ينطبق عليك... لكنك يا راوية لم تفعلي مع جاد
شيئاً مما كانتا تتحدثان عنه! فأنت لم تلق بشبابك نحوه و لم تحاولي شده
إليك... و قرارك بالرفض كان عن اقتناع بأنه لا أمل في نجاح علاقتكما...
أليس كذلك؟ إنه لم يكن من باب اللهو بمشاعره أو التلاعب به...

فجأة قاطعتني راوية و هي تهتف :
ـ لماذا لم يعاود المحاولة يا مرام؟ لماذا؟؟ لو كان متعلقاً بي حقاً ما كان لييأس من المحاولة الأولى

تطلعت إليها في دهشة و قلت في حيرة :
ـ راوية... أنت رفضته يا راوية!
و ابتعاده النهائي و توقفه عن مراسلتك ما هو إلا احترام لقرارك... فهو لا
يريد أن يفرض عليك نفسه و لا أن يسيء إليك بعد أن مددت إليه يد المساعدة!

أشاحت بوجهها و همست في خجل و تردد :
ـ لكنني كنت أتوقع أن يفهم أسبابي... و يحاول إقناعي بأنه الشخص المناسب...
و أنه قادر على تحمل مسؤولية الوضع و إيجاد الحل المناسب له...

قاطعتها و أنا أتمالك نفسي حتى لا أحتد في وجهها :
ـ راوية! أنت أظهرت له بأنك لا تثقين فيه! بل
لم تعطه فرصة أصلاً و لم تصارحيه بمخاوفك! هل تذكرين... حين طليت مني أن
أعطي فرصة لحسام و أن لا أرفض بناء على مخاوفي الشخصية و حسب؟ أين ذاك
الكلام الآن؟

تأففت راوية و هي تهتف في يأس :
ـ مرام... قلت لك مائة مرة الأمر مختلف هنا...

قاطعتها مجدداً و أنا أقول في هدوء أكبر :
ـ ليس مختلفاً يا عزيزتي... لكن كلاً منا يملك النصائح المناسبة ليقدمها
لغيره. لكن حين تصبح المشكلة خاصة به فإن وضعه دائماً مختلف، و مشكلته
نادرة الوجود و المعوقات أمامه لا حدود لها، و ما من أحد يمكنه أن يفهم ما
يمر به، و كل الأبواب مغلقة في وجهه، و العالم كله لا يستوعب درجة عذابه
و...

قاطعتني راوية هذه المرة و هي تمسك بذراعي التي كنت أحركها في حركة مسرحية شارحة مدى تفرد المشكلة الشخصية في نظر صاحبها...
ـ كفى، كفى... فهمت...

ابتسمت و أنا أقول :
ـ لا تقلقي... كلنا هكذا... أنا أيضا حين رفضت حسام في المرة الأولى كنت أرى المسألة من نفس الزاوية... لكنك كنت تملكين رؤية أوضح من رؤيتي...

التقت عيوننا لبرهة قصيرة فتابعت شارحة :
ـ لكنني لم أملك رؤية واضحة لعلاقتك مع جاد... لأن ثقتك كانت مهتزة، ليس في قدرة جاد على إقناع العالم بمسألة ارتباطكما... بل ثقتك في جاد
نفسه، في ملاءمته لك، أو ربما في طاقة تحملك أنت من أجل إنجاح العلاقة
كانت مهتزة! و لما وجدت أنك غير متأكدة من موقفك لم أستطع أن أوضح أمامك
الرؤية لأنك لم تتركي لي بصيصاً أهتدي به...

كان الشرود بادياً في عيني راوية، و أخيراً انفرجت شفتاها عن تنهيدة طويلة و هي تقول في أسى :
ـ هل تراه عاد إليها؟

ربتت على كتفها في عتاب و أنا أقول :
ـ هل ترين كيف تسيئين الظن به من جديد؟! أنت تعلمين أنه لم يتركها من
أجلك... بل من أجل الإسلام، و من أجل أن يجد نفسه بعيداً عنها... و أنه لن
يعود إليها لمجرد أنك رفضته... إلا إن كانت أسلمت و غيرت طريقة تفكيرها في
الفترة القصيرة الماضية... و الله يهدي من يشاء! لكنك تستمرين في النظر إلى
المسألة كأنها مشكلة المشكلات التي ليس لها حل... بل أن المخرج الوحيد هو
أن يتراجع جاد عن موقفه أو أن يخيب ظنك فيه حتى يجد ضميرك الحجة المقنعة للتسليم! تريدين رأيي؟

نظرت إلي في لهفة و هتفت :
ـ طبعا أريد رأيك! ماذا تنتظرين؟!

ابتسمت و أنا أواصل :
ـ كنت أنتظر أن تطلبيه! فالتردد الذي أنت فيه يثبت أنك لم تنسي الموضوع... و
لن تنسيه بسهولة... لأنك غير مقتنعة أصلاً بالقرار الذي اتخذته! أو ربما
لم تحسي بالراحة بعد الاستخارة من جديد...

هزت رأسها موافقة و هي تقول :
ـ صدقيني، رغم أنني أنهيت الموضوع، فإنني واظبت على الاستخارة و أنا أدعو
الله أن يهديني إلى سبيل إصلاح خطئي إن كنت اتخذت القرار الخطأ...

ـ طيب... و الآن ما يمكنه فعله هو الدعاء و الاستخارة بعمق و خشوع... حتى
تخرجي من الحيرة التي أنت فيها. حين تصبحين متأكدة من موقفك تجاه جاد سيكون بيننا حديث آخر!

ترددت راوية للحظات قبل أن تهتف :
ـ أصبحت متأكدة من موقفي!

اتسعت عيناي دهشة و أن أرسل ضحكة قصيرة :
ـ بهذه السرعة!

ـ مرام، أنا جادة... لقد ندمت على تسرعي، لكنني لا أدري كيف أتصرف!

ثم مالت نحوي في تساؤل :
ـ ألا يزال على اتصال مع حسام؟

هززت كتفي و رفعت كفي أمامها كالمتهم ينفي إدانته :
ـ و كيف لي أن أعلم يا حبيبتي! فقد أعطيت عنوانه لداليا
حتى تسلمه له كما طلبت مني، و شرحت لها دون إسهاب بأنه أسلم مؤخراً و في
حاجة إلى من يقف إلى جانبه... و فقط! و من يومها لم أعد لسؤالها حتى لا تشك
في الأمر!

بدا على راوية التفكير العميق و هي تتمتم في خفوت :
ـ هل تراه يفضي إلى حسام بشيء ما عن علاقتنا؟

نهرتها بشدة هذه المرة :
ـ راوية! ثقي فيه و لو لمرة واحدة! كيف له أن
يتحدث عن علاقتكما مع شخص غريب و هو يعلم أنه يسيء إليك و إلى سمعته بذلك؟!
إن كان يعتقد في أن لحسام تأثيراً ما عليك أو قدرة على إقناعك فكيف له أن يثق فيك بعد ذلك؟

ردت راوية في خجل :
ـ ربما يطمع في مساعدته... أو ربما يعلم أنني صديقة أخته...

ـ يا راوية يا حبيبتي... طلبه كان واضحاً و رفضك كان أوضح... و المسألة لا تحتاج إلى المراجعة!

نظرت إلي في قلق و هي تهمس :
ـ و ما العمل إذن؟

وضعت يدي على خدي و أنا أهمس في تفكر :
ـ لا بد من وجود حل ما...


<<<<< تـــــــــابعـــــــــونــــــــــا >>>>>

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.jerrara.tk
houcine



عدد المساهمات : 721
نقاط : 73440
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: الحلقة السادسة و العشرين   الجمعة يوليو 29, 2011 6:11 am

الحلقة السادسة و العشرين



عدت إلى البيت بعد يوم دراسي مرهق، و بعد أن نجحت بصعوبة بالغة في إقناع راوية بأن تترك الموضوع لي و تحاول التركيز على المحاضرات، مع أنني لا أملك حلاً محدداً...

تناهى إلى سمعي أصوات مختلفة و ضحكات مرتفعة قادمة من قاعة الجلوس... عندنا ضيوف إذن! من يكون تذكرنا في هذا اليوم يا ترى؟
عبرت الممشى بخطوات رشيقة فأخذت الأصوات تتضح أكثر فأكثر... بدت لي الأصوات
مألوفة لكنني لم أستوعب الأمر جيداً... الصوت يشبه صوت عمتي سهام! لكن عمتي سهام، إنها في أمريكا... هل تكون عادت فجأة؟؟ غير معقول! بدون أن تعلمنا!

سارعت الخطو و ارتقيت الدرج إلى المنزل، ثم دخلت القاعة بعد أن طرقت الباب
طرقات خفيفة لأنبههم إلى وصولي... التفت الحاضرون إلي و تبادلنا نظرات
طويلة مليئة بالمعاني، ثم قامت عمتي سهام بسرعة لتحتضنني قبل أن أصل إليها و هي تقول في إعجاب واضح :

ـ مرام، يا حبيبتي لقد كبرت! بسم الله ما شاء الله... بسم الله ما شاء الله!

ثم استلمتني سارة صديقة طفولتي، لتبادلني قبلات حارة و على شفتيها ابتسامة واسعة تنطق بالسرور و السعادة...

ـ يا الله... لقد تغيرت أنت أيضا يا سارة! مبارك عليك الحجاب!

كنت أنظر إلى حجابها بإعجاب... فقد تطلب منها شجاعة كبيرة و مواجهة لمجتمعها الجديد، الذي لا يقتنع بمبادئها...

ـ مبارك عليك أنت أيضا يا مرام! أم تظنين أنك أنت فقط تكبرين يا حبيبتي!

تبادلنا ضحكات مرحة، ثم جلست إلى جانبها و انخرطنا في حديث ودي... لكن
السنوات الماضية صنعت حاجزاً بيننا، و غطت ثلوج الشمال المسافة بين
قلبينا... فكان من الواجب أولاً أن نذيب الجليد... أن تعرف كل واحدة منا ما
جد في حياة صاحبتها و ما حل بها في السنوات الأولى للشباب... فانتحينا
ركنا من المجلس و انسجمنا في حوارنا و نسينا أمي و عمتي اللتين كانتا جالستين غير بعيد عنا تتبادلان أطراف الحديث.

انتبهت على صوت عمتي و هي تتساءلرامقة إياي بنظرة ذات معنى :
ـ قال لي طارق أن هنالك من تقدم لطلب يد مرام... فهل تراكم زوجتموها دون علمنا؟

ثم استرسلت ضاحكة! احمر وجهي فجأة على ذكر تلك الحادثة... ما تراه قال لعمتي بالضبط ذاك الفتى؟!
وجدت أمي تجيب بسرعة دافعة عنها كل الاتهامات :
ـ ما هذا الكلام يا سهام! مرام حتى مازالت صغيرة... و والدها لم يرض بالارتباط أصلاً... (ثم بصوت أكثر ثباتاً) ولكن أنت من زوّج سناء دون علمنا... و من أمريكي أيضاً !

بدا أن صفو الحديث بدأ يتعكر، و تحول لون عمتي إلى الأحمر ثم الأصفر... تطلعت إلى سارة، فوجدت وجهها قد امتقع... كان من الواضح أن تلك الزيجة أثرت في العائلة كلها... و تذكرت ملامح طارق حين تحدث عنها في تلك المرة... لا حول و لا قوة إلا بالله...

نطقت عمتي أخيراً بعد أن بدأت ملامح أمي تلين و تتحول إلى العطف و الاشفاق :
ـ ما حصل لم يكن بيدي... لكن يكفي أنها سعيدة...

بادرت لأغير الموضوع :
ـ و لكن أين سناء؟ ألم تأت معكم؟

ـ بلى... لقد جاءت معنا... فقد أراد زوجها أن يزور البلد و يتعرف على مسقط رأس زوجته... و قد أخذهما طارق إلى منزلنا مباشرة... فمايكل كان متعباً... لم يتعود على السفر لمسافات طويلة، كما أن الرحلة من أمريكا إلى هنا مرهقة... لكنني و سارة كنا مشتاقتين لرؤيتكم فأتينا مباشرة!

هزت سارة رأسها موافقة و هي تؤمّن على قولها :
ـ قررنا أن نأتي إلى هنا قبل أي مكان آخر... فلا تدرين كم اشتقت إلى رؤيتك يا مرام!

أمسكت بكف سارة بين كفي و ابتسمت في حنان... يبدو أنها لاتزال تعيش غربة صعبة رغم مضي كل تلك السنين!
استطرت أمي قائلة :
ـ سرّنا كثيرا أن طارق خصنا بالزيارة في المرة الماضية... و يسرنا أكثر أن يكون منزلنا أول مكان تدخلانه بعد المطار!

تبادلنا ضحكات مرحة قبل أن تقول عمتي و هي تتطلع إلي بنفس النظرة الغريبة :
ـ أنت تعلمين أن أخي سالم هو أقرب إخوتي إلى قلبي... و أن مرام و ماهر هما أحب أبناء إخوتي إلي... بل أنني أحبهما كما أحب أبنائي تماماً...

ابتسمت مجاملة عمتي، و أنا أتوجس خيفة من تلك المقدمات التي بدت لي غير سليمة! استعذت بالله من الشيطان الرجيم… إن بعض الظن إثم! عمتي تحبني… و ماذا في ذلك؟

لكن عمتي استرسلت مخاطبة والدتي :
ـ طارق كان سعيداً جداً بزيارتكم... و قد ساعدته الرحلة إلى هنا على تغيير الأجواء و استنشاق هواء الوطن... لكنه أصيب بوعكة حال عودته!

تذكرت بسرعة الحال التي غادرنا عليها طارق... يا ربي... هل أنا السبب؟!
انتبهت إلى عمتي و هي تتابع :
ـ ... لم يعد يطيق المنزل... بل أنه يرغب في العودة النهائية إلى الوطن رغم أنه بدأ مشروعه منذ فترة يسيرة! يا الله... مضت فترة طويلة مذ رحلنا عن الأهل و الأحباب... الغربة صعبة.. لكن لست أدري أن أفرح أم أحزن لقرار طارق!

ثم التفتت إلي متسائلة :
ـ ما رأيك يا مرام؟

اكتسى وجهي بحمرة خفيفة و أنا أرد في اضطراب :
ـ رأيي أنا؟ فيم؟

استطردت عمتي تشرح الموقف :
ـ طارق يا ابنتي يريد العودة إلى الوطن في أقرب فرصة و بدأ مشواره من هنا... فقد كان لزيارته الأخيرة أثر بالغ في نفسه...

ثم أضافت باسمة :
ـ و أظنكما تحدثتما كثيراً في المرة الماضية كعهدكما منذ سنوات خلت...

لم أدر بما يمكنني أن أجيبها... فأطرقت صامتة. لكن أمي أنقذتني من الموقف بقولها :
ـ يا سهام... الصغار يكبرون، ينضجون و طباعهم تتغير... طارق ما شاء الله أتم دراسته و يدير مشروعه الخاص، و مرام كبرت هي الأخرى و إن شاء الله تتخرج طبيبة بعد سنوات قليلة...

قاطعتها عمتي في لهجة تأكيد :
ـ و إن شاء الله نفرح بهما قريبا!

ثم التفتت إلى والدتي في اهتمام و هي تقول :
ـ قلت أن خطبة مرام لم تتم؟ عسى أن يكون في ذلك خير...

بدأت شكوكي تتوثق من نوايا عمتي العزيزة... لكن هل طارق
على علم بما تخطط له؟ من المفروض أنه فهم الموضوع جيداً في المرة الماضية و
لا سبيل إلا معاودة المحاولة! أم أن عدم حصول الخطبة إلى حد الآن من
الممكن أن يعطيه آمالاً جديدة؟!

قاطع خيط أفكاري رنين الهاتف على الطاولة المجاورة لمقعدي...
ـ مرام... هلا رددت؟

ـ حاضر يا أمي...

إحساس غريب راودني و أنا أمد يدي لأرفع السماعة من موضعها :
ـ السلام عليكم و رحمة الله...

كان الصوت متوقعاً لكن العبارة بدت في غير محلها! أو ربما غير منتظرة من ذاك الشخص بالذات!
ـ و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته... طارق؟!

ـ نعم... كيف حالك يا مرام... و كيف حال خالي و الوالدة؟

ـ بخير... شكراً لك... عمتي سهام عندنا...

ـ نعم... اتصلت لأسألها متى تود أن آتي لاصطحابها إلى المنزل هي و سارة...

وجدتني أسأل في ود :
ـ ألن تأتي لقضاء السهرة عندنا؟

ـ إن شاء الله في فرصة قادمة... شكراً لك يا ابنة خالي... لكن الجميع
متعبون من السفر و لا يمكنني السهر كثيراً... في فرصة قادمة إن شاء الله...

لست أدري لم كان قلبي منشرحاً بعد أن بلغت طارق
بالموعد الذي قررته عمتي و وضعت السماعة... رغم أنه رفض دعوتي بكل لطف و
ربما كان لا يزال مستاءً مني و من الموقف المحرج الذي وجد نفسه فيه في
لقائنا الأخير... لكن التغيير كان واضحاً في لهجته، في عباراته، في طريقته و
في صوته...



رن جرس الباب الخارجي، فالتفتت عمتي إلي و هي تقول :
ـ إنه طارق... هلا فتحت له يا ابنتي؟

تبادلت و أمي نظرة ذات معنى و تلكأت في الوقوف من جلستي فأردفت أمي :
ـ ماهر سيفتح الباب... لا تقلقي...

ارتفع رنين الجرس للمرة الثانية، ثم لم تمض لحظات حتى سمعنا خطوات ماهر في الرواق و هو يهتف في شكوى :
ـ ألم يفتح أحد الباب؟!

ابتسمت أمي و هي تقول لعمتي :
ـ سررنا جداً بزيارتكما و إن شاء الله نرد الزيارة قريباً...

وضعت عمتي كفها على كف أمي في تودد و هي تجيب في تأكيد و قد اتسعت ابتسامتها :
ـ نعم، نعم يا حبيبتي... آمل أن نراك كثيراً في فترة مكوثنا هنا... فأنتم أهلنا، و نعم الأهل!

تناهى إلى أسماعنا أصوات رجالية في الخارج و بدا أن ماهر يقنع طارق بالدخول في حين كان هذا الأخير متحرجاً! و في الأخير ظهر الإثنان أمام باب قاعة الجلوس و ماهر يقول مرحباً :
ـ تفضل... تفضل، لا أحد غريب... أمي و أختي و أمك و أختك!

ابتسم طارق في حرج و هو يلقي التحية في صوت خفيض :
ـ السلام عليكم و رحمة الله...

لست أدري لم اشتد وجيب قلبي و أنا أرد التحية...
هل هو طارق فعلاً؟ طارق الذي زارنا منذ بضعة شهور خلت؟!
لفت انتباهي هندامه المتناسق الذي كان في منتهى الذوق و الأناقة... هل هو
نفسه الذي كان يتبع آخر تقليعات الموضة الشبابية؟! حتى تسريحة شعره
استبدلها بأخرى هادئة تنم عن رزانة و نضج...
اختفت تلك النظرات الوقحة الجريئة... و إذا به يغض بصره و يتحدث في حياء و اتزان!

بادرته عمتي هاتفة :
ـ ما بك تقف هناك؟ ألن تسلم على ابنة خالك و زوجة خالك؟

احمرت وجوهنا جميعا في حين بدا الارتباك على طارق و هو يجيب :
ـ أظنني سلمت يا أمي!

همت عمتي بأن تعنفه على "برودة تجاه أفراد عائلته الأعزاء" الذين لم يرهم منذ مدة طويلة!!! فقاطعتها أمي و هي تقول موجهة كلامها لطارق و على شفتيها ابتسامة واسعة :
ـ بارك الله في أخلاقك و رزقك زينة العقل يا بني...

ثم التفتت إلى عمتي و قالت مؤنبة :
ـ ابنك ما شاء الله عليه، يعرف محارمه من غيرهم... فلا تحرجيه و تجريه إلى الشبهات يا سهام!

لطمت عمتي صدرها و هي تصدر شهقة استهجان :
ـ ما الذي تقولينه يا أختي؟! زوجة خاله و ابنة خاله... فأين المشكلة؟! كلنا من دم واحد! عائلة واحدة يا حبيبتي!

ارتفع صوت طارق هذه المرة في ضيق :
ـ هيا بنا يا أمي...و سأشرح لك كل شيء في الطريق!

التفتت إليه أمي في حنان و هي تردف :
ـ ما بك مستعجل يا بني؟ ألن تجلس معنا قليلاً حتى يأتي خالك؟

عاجلته عمتي مؤيدة :
ـ طبعاً سيجلس معنا! فأنا لم أكتف منكم بعد... و الجلسة حلوة بوجود الأحباب... أليس كذلك يامرام؟

ابتسمت في حرج و ضيق حين التفتت إلي عمتي بكليتها تطلب تأييدي :
ـ طبعاً يا عمتي... طبعاً...

أحسست بنظرات طارق المترددة تقع علي، ثم جاء صوته كأنه يخرج من بئر عميقة :
ـ كيف حالك يا مرام؟

ـ بخير... الحمد لله... شكراً لك...

ثم استطرد مخاطباً أمي :
ـ أنا آسف يا خالتي... لا يمكنني البقاء أكثر... إن شاء الله في فرصة قادمة...

لكن بدا أن عمتي لا ترغب في أن تتزحزح من مكانها و هتفت زاجرة :
ـ قلت بأنني سأنتظر خالك! هل يعقل أن أغادر دون أن أسلم على أخي؟!!!

بدا الارتباك على طارق فأردفت أمي :
ـ معك حق يا سهام... اجلس يا بني قليلاً... خالك لن يتأخر...

تردد طارق لوهلة و هي يتمتم :
ـ و لكن...

جذبه ماهر من ذراعه ليجلسه على الأريكة القريبة :
ـ ليس هناك ولكن!

ـ لكن... هناك من ينتظرني في السيارة... سناء و زوجها ينتظران في الخارج!

تبادلنا نظرات واجمة في حين وقفت عمتي و هي تكاد تصرخ من فرط الانفعال :
ـ سناء في الخارج و لا تنزل لتسلم على أهلها؟؟

كانت قد قطعت نصف المسافة في اتجاه الباب حين أوقفتها أمي محاولة تهدئتها :
ـ اهدئي يا سهام... ربما كانت متعبة أو في حال لا تسمح لها بلقائنا... لا تغضبي منها...

ـ أية حال هذه التي تجعلها تقف خارج المنزل و لا تنزل من السيارة لمجرد إلقاء التحية! طارق... أحضر أختك إلى هنا حالاً!!!

وقف طارق على مضض و هو يتمتم بكلمات غير مفهومة، في حين سيطر جو من التوتر على القاعة...
بعد لحظات ظهرت سناء تسبقها ضربات حذائها ذي الكعب العالي .. و لوهلة ظننت نفسي أمام نجمة من نجوم السينما الأمريكية و ليس أمام ابنة عمتي.. !!!!!!

لم أصدق عيني... و أنا أراها ترفع خصلة من شعرها الملون لتعيدها إلى مكانها
حتى لا تفسد تسريحتها... و ربما كانت تقصد سهرة ما رفقة زوجها... فهما
بطبيعة الحال قد جاءا للسياحة و الفرجة على جمال البلاد... و لا شيء يهمهما
من العباد!

كانت تلك الأفكار تتوارد على ذهني و هي تقترب مني في خطواتها الرشيقة
للترحيب

أحسست بأن التوتر قد تفاقم و ترددت النظرات الحيرى و هي تتصفح الوجوه... و فجأة ارتفع صوت رجالي غريب يهتف في مرح :
ـ هاااي...

انتبهنا إلى دخول الرجل إثر سناء... بالطبع، من عساه يكون غير مايكل!
سارعت سناء للتأبط ذراعه و هي تقول في سعادة واضحة :
ـ دعوني أعرفكم على مايك... مايكل زوجي... إنه لا يفهم العربية جيداً... لكنه يتقن بعض الجمل الخفيفة...

فأردف مايكل مؤيداً قولها :
ـ كيف حالكم جميعا؟

كان ماهر متحمساً و هي يجيبه بأنجليزية ركيكة مبدياً حماسه :
ـ فاااين... أند يوووو...

ثم ارتفعت ضحكاتهما الصاخبة تحت نظرات أمي و عمتي المنزعجتين...

لم يطل مكوثهم فقد استأذنت سناء و هي تقول بأنها و زوجها مدعوان للسهرة عند بعض الأصدقاء... و عمتي مضطرة إلى المغادرة باكراً لأنهما سيحتاجان السيارة لبقية السهرة!!!

لكنني تمكنت من إقناع عمتي لتبقى سارة عندنا بضعة أيام، فقد لمحت في عيني المسكينة كلاماً كثيراً... و علامات الانكسار و الضعف و هي ترى تصرفات أختها الغريبة أمامنا...

رافقت عمتي إلى باب الحديقة فالتفتت إلي قبل أن تفتح باب السيارة و قالت و في عينيها نظرة ذات معنى :
ـ سأرسل طارق إليكما غدا بالسيارة... فربما أردتما الخروج للنزهة بعد الظهر...



<<<< تــــــابعــــــــونـــــــا >>>>>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.jerrara.tk
houcine



عدد المساهمات : 721
نقاط : 73440
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: الحلقة السابعة و العشرين   الجمعة يوليو 29, 2011 6:12 am

الحلقة السابعة و العشرين


جلست سارة على طرف السرير و هي ترسم على شفتيها ابتسامة حزينة... جلست إلى جانبها وربتت في لطف على ركبتيها و أنا أقول :
ـ و الآن... حدثيني بكل ما حصل معك في السنوات الماضية! كيف الحياة هناك و كيف الدراسة...

أطرقت سارة في خجل و هي تقول في تردد :
ـ الحمد لله...

أدركت أنها تخفي عني أشياء... أو أنها تخشى أن تصارحني بمشاعرها و إحساسها
بحياتها... فمن الصعب أن نكشف خفايا حياتنا فجأة أمام عينين غريبتين... و
من غير الهين أن نتبع الصراحة مع شخص تفصلنا عنه هوة عميقة حفرتها السنوات و
الأيام الماضية...
أحسست بأنها لا يمكن أن تتحدث إن لم أشجعها، إن لم أبدأ أنا بمصارحتها بتطورات حياتي و بكل ما جد فيها

ـ تعلمين أنني دخلت كلية الطب كما أردت دائماً... و الحمد لله فأنا الآن في
الصف الثالث و أنا أستمتع جيداً بكل لحظة في دراستي... عالم الطب مميز
جداً، فأنا أعيش مغامرة جديدة كل يوم، و أتعلم شيئاً جديداً... فسبحان الله
كيف خلقنا فأحسن تصويرنا...

هزت رأسها موافقة و قالت أخيراً :
ـ أنت محظوظة حقا يا مرام... فقد حققت ما أردته و درست الاختصاص الذي تمنيته. فقد كنت تتخيلين نفسك دائما طبيبة جراحة!

ابتسمت و أنا أتذكر تلك الأيام البريئة حيث كنا نلعب الطبيبة و مريضتها... ثم المدرسّة و تلميذتها... فقد كانت سارة تحلم بأن تصبح أساتذة علوم لأنها كانت تعشق معلمتها في المدرسة الإعدادية.

سألتها في اهتمام :
ـ و أنت هل تدرسين لتصبحي معلمة كما رغبت دائما؟

هزت رأسها علامة الإيجاب و هي تقول :
ـ الحمد لله أن الحصول على الأستاذية لا يتطلب مجموعاً كبيراً أو تفوقاً في الدراسة الثانوية...

ثم أضافت في حرج و هي تبتسم مطرقة :
ـ فأنت تعلمين أنني لا أملك نفساً طويلاً مثلك... و لا يمكنني الصبر على سنوات الطب الطويلة، و مجموع الطب الكبير...

صمتت للحظات ثم استطردت :
ـ تعلمين... ربما علمتني الحياة في أمريكا أن أكون قنوعة... فمن المؤكد
أنني لن أجد مركزاً مناسباً لطموح كبير مثل طموحك، في ظل العنصرية، و إقصاء
المحجبات من الوظائف الرفيعة...

نظرت إليها في دهشة :
ـ ما الذي تقولينه يا سارة؟ أليست أمريكا بلد الحرية و تساوي الفرص؟

ـ ربما كانت كذلك... لكنها بالنسبة إليّ سجن كبير... ففي أية وظيفة مرموقة
ينظرون إلى الشكل كثيراً و يهمهم أن تتعامل المرأة مع الرجال بصفة يومية...
و عليها طبعاً أن تكون منطلقة و مبتسمة، و خفيفة الظل، فتبادلهم النكات و
لا تمانع إن ربت أحدهم على كتفها أو عانقها في "أخوة" و براءة! أو ما يعبرون عنه بالانفتاح و الزمالة و ما إلى ذلك!!!

ـ و لكنك لست مضطرة إلى مجاراتهم فيما يفعلونه! بإمكانك أن تكوني منشرحة و
منطلقة و مبتسمة... و لكن على طريقتك! على طريقة الفتاة المسلمة الحيية
التي تفرض احترامها! فالوحدة و الانعزال عن العالم ليسا الحل!

عقدت سارة حاجبيها في استياء و هي تقول :
ـ لا يبدو أنني سأنجح في مهنة التدريس إلا إن انضممت إلى مدرسة إسلامية للبنات...

ـ لا يا سارة... أنت قادرة على النجاح في أي
مكان تكونين فيه، عليك فقط أنت تتحلي بقدر عال من الثقة في قدراتك... و أن
تضعي نصب عينيك أنك تلعبين دوراً هاماً في التعريف بديننا هنالك! فالمرأة
المسلمة ليست ممنوعة من الخروج و المشاركة في الحياة العلمية و الاجتماعية،
بل أنها تلعب دوراً هاماً في وقتنا الحاضر، و المستقبل سيكون مشرقاً بإذن
الله...

ابتسمت سارة في أسى :
ـ مرام، أنت تعلمين أنني لست من ذاك النوع من
الفتيات... كنت انطوائية منذ الصغر... و قد تعمق ذلك في طبعي في السنوات
الأخيرة... و ربما لست مستعدة لأي تغيير...

أطرقت للحظات ثم أردفت :
ـ منتهى طموحي الآن أن أتم دراستي ثم أتزوج و أتفرغ لتربية أبنائي... لست أريد من الحياة شيئاً آخر...

نظرت إليها في دهشة و حيرة :
ـ لم أكن أتوقع أن الحياة في أمريكا ستؤثر عليك بهذا الشكل! ظننت أنك ستزدادين انفتاحاً على الحضارة الغربية... ليس إلى درجة سناء...
و لكن أن تدخلي عالماً جديداً، أن تتسع آفاقك و تكبر طموحاتك مع اتساع
محيطك و نمو معارفك... لكن يبدو أن التأثير كان عكسياً تماماً!

حدقّت في سارة و قد تجمعت العبرات في مقلتيها ثم هتفت باكية و هي ترتمي على الفراش :
ـ أريد العودة إلى الوطن... سئمت من حياتي هناك! طارق محظوظ لأنه يملك تقرير مصيره و يقدر على اتخاذ قراره بمفرده... لكن أنا...

ربتت على كتفها و في عيني نظرة متفكرة :
ـ سأتحدث مع عمتي في الأمر... ما رأيك بالإقامة عندنا؟

رفعت رأسها في لهفة ما لبثت أن خبت في عينيها و هي تهمس :
ـ أبي لن يوافق أبدا!

ـ عمي محمود؟ لماذا؟!

ـ طارق لا يزال في صراع معه من أجل العودة النهائية... فهو يرى المستقبل واعداً له هنالك... وطارق لم يعد يطيق البقاء! تعرفين... بعد زيارته الأخيرة للبلد، طارق
تغير كثيراً... ربما كان في حاجة إلى فترة استراحة من حياة الغربة كي يوقن
بأنه لم يحسن اختيار سبيله في البداية... أنا سعيدة جداً من أجله... لكنني
لا أملك نفس شجاعته و قدرته على صنع التغيير في نفسه و في نفوس من حوله...
لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية قرار... لا أستطيع...

التمعت في عيني فكرة و أنا اهتف :
ـ دعي الأمر لي...

في تلك اللحظة رن هاتفي الجوال. إنه شخص آخر وعدته بإيجاد حل لمشكلته و ها أنا لا أزال عالقة!
ـ حبيبتي راوية... كيف أنت الآن؟

كان صوتها متعباً و هي ترد :
ـ لا شيء جديد... كيف تسير الأمور معك؟

ـ اسمعي... ما رأيك في الخروج معنا غداً؟ سيكون من الممتع أن نقوم بنزهة في الغابة المجاورة...

ـ"معكم"؟ من أنتم؟

ـ آآ... لم أخبرك أن ابنة عمتي سارة عندنا هذه الأيام...

ـ آه... طيب... لا أريد أن أزعج لقائكم العائلي... إن شاء الله في فرصة قادمة...

ـ لا تقولي هذا يا راوية... ليس هنالك من إزعاج أبداً... ستحبين سارة جدا... إنها في مثل عمرنا، و هي أيضا مشتاقة إلى التعرف عليك... أليس كذلك يا سارة؟

هزت سارة رأسها موافقة، و أجابت راوية في تردد :
ـ حسن... سأحاول...

ـ لا، لا... أنت ستأتين معنا لا محالة... سأنتظرك صباح الغد... نريد أن نستمتع بيومنا!

ربما لم أكن قد وجدت الحل المناسب لكليهما، لكن النزهة ستساعد على إزالة
حالة التوتر و تغيير الجو لبعض الوقت... و ربما تفرج فيما بعد!

انتبهت على صوت سارة و هي تسألني على استحياء :
ـ كيف يمكن للفتاة أن تكون منطلقة و متفتحة، و تحافظ على دينها و أخلاقها الإسلامية في آن واحد؟

نظرت إليها في دهشة... فلم أكن أمتلك وصفة سحرية أعطيها إياها، لكنها قناعة
لدي بأن الإسلام ليس حاجزاً بين المرأة و بين طموحاتها، بل هو السبيل إلى
أن تحفظ كرامتها و حشمتها و تحقق ذاتها في نفس الوقت...
ـ يا حبيبتي يا سارة... المرأة في الإسلام كانت العالمة و الطبيبة و السياسية و هنالك نماذج كثيرة عرفناها على مر التاريخ...

بدا لي أن كلامي مبهم و مغرق في المثالية و العمومية فاستدرك بسرعة :
ـ ربما يبدو الاستشهاد بالأمثلة التاريخية نوعاً ما بعيداً عن واقعنا
المعيش... فالظروف تغيرت بالتأكيد... لكن الدين يبقى قابلاً للتطبيق في كل
زمان و مكان...

قاطعتني سارة في حيرة و نفاذ صبر :
ـ هلا أعطيتني أمثلة تطبيقية؟

هرشت مقدمة رأسي في تفكّر ثم قلت :
ـ حسن... في حالتك أنت مثلاً... في كليتك تقام بالتأكيد لقاءات ثقافية و تظاهرات عامة، هل فكرت مرة في حضورها؟

بدا على عليها الارتباك و هي تهمهم :
ـ في الحقيقة... لا أهتم بمثل تلك الأشياء... في الكلية أكتفي بحضور الدروس و حسب!

هززت رأسي و أنا أقول :
ـ يا عزيزتي... إن أول خطوة لتجاوز العزلة و الانطواء هي أن تحاولي
المشاركة في مثل تلك التظاهرات، حيث لا يلاحظك أحد و يمكنك أن تراقبي الناس
و هو يتكلمون و يتناقشون! تتعلمين منهم في صمت... حاولي أيضا أن تنضمي إلى
بعض النوادي الجامعية، حتى تنمي مهاراتك في التواصل و المشاركة في الأعمال
الجماعية... إن المشاركة أمر ضروري جدا، لأنك في حياتك المهنية ستجدين
نفسك في مواقف حيث التعاون عامل لا يمكن تجاوزه... كما أن عليك أن تتعلمي
كيفية مواجهة العالم دون خوف، و كيفية اتخاذ قراراتك الشخصية دون توجيه أو
إملاء من أحد! فالمرأة كيان مستقل و لا يمكن أن تظل تابعة لكيان الرجل إلى
ابد، سواء كان أباً أم أخاً أم زوجاً! فلا تظني بأنك بزواجك ستتخلصين من
سلطة والدك و تتحررين، لأنك ستركنين إلى سلطة جديدة هي سلطة الزوج، و إن لم
تتمكني من ترسيخ معنى وجودك من الآن، فلن يتغير الوضع أبداً... بل ربما
يصبح أسوأ إن وقعت على زوج لا يخشى الله فيك!

رأيت القلق و الجزع في عينيها و هي تهتف في توسل :
ـ ولكن كيف أتغير يا مرام...كيف؟!

أمسكت بكفها بين كفي في حنان و أنا أقول :
ـ يجب أن تأتي للعيش معنا...

<<<< تــــــــابعـــــــــونـــــــــا >>>>














الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.jerrara.tk
houcine



عدد المساهمات : 721
نقاط : 73440
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: الحلقة الثامنة و العشرين   الجمعة يوليو 29, 2011 6:13 am

الحلقة الثامنة و العشرين



ارتفع صوت منبه السيارة في الخارج، فالتفتت إليّ سارة مبتسمة :
ـ يبدو أن طارق قد وصل!

تبادلت و راوية نظرة ذات معنى، ثم قمنا ثلاثتنا لجمع حاجياتنا. همست راوية في قلق:
ـ هل سيرافقنا طوال النزهة؟

ـ لا تخافي... سيوصلنا و ينصرف... ثم ستتصل به سارة ليأتي لأخذنا بعد بضع ساعات. لقد تغير يا راوية، إنه مختلف جداً عن الشاب الذي رأيته معي أمام الكلية السنة الماضية

غمزتني راوية في دعابة و هي تهمس :
ـ إذن فهو يروق لك... أليس كذلك؟

دفعتها دفعة صغيرة في غيظ و قد احمر وجهي بعض الشيء و هممت بأن أزجرها حين التفتت إلي سارة متسائلة :
ـ هل هنالك شيء ما؟

لوحت بكفي في نفي و أنا أهتف :
ـ لا شيء يا عزيزتي... راوية فقط تحاول إغاظتي...

ـ إذن تعالين نصعد إلى السيارة... طارق ينتظر!

جلست سارة على المقعد المجاور للسائق، في حين جلست و راوية في المقاعد الخلفية. حيانا طارق في أدب جم، ثم أدار محرك السيارة و انطلق و الصمت يخيم علينا. بعد بضع دقائق همست راوية في أذني بصوت خفيض :
ـ يبدو رزيناً جداً هذه المرة!

ابتسمت و أنا أهز رأسي موافقة. في تلك اللحظة التفت طارق إلينا مبتسماً و هو يقول :
ـ يسعدني أن سارة وجدت أخيراً من يقنعها
بالخروج و الاستمتاع بوقتها... فهي قليلة الخروج، و ترفض بطبيعة الحال أن
تخرج معي حتى لا يظن الناس أنني صديقها!

ابتسمنا جميعاً في حين احمر وجه سارة و همست :
ـ ليس هنالك ما يدعوني في الخروج هناك... فما إن يرى الناس الشمس حتى يلقوا عنهم ملابسهم بلا خجل...

هز طارق رأسه و هو يقول :
ـ نعم... لا حول و لا قوة إلا بالله...

بادرته مسرعة :
ـ بما أنك تنوي الاستقرار في البلد، فلم لا تقنع عمي محمود بعودة سارة معك؟ ستكون بأفضل حال هنا!

ابتسم طارق دون أن يلتفت و أجاب :
ـ كنت أفكر في الأمر نفسه... فهي في حاجة إلى حياة اجتماعية سليمة... و إلى صحبة صالحة تساندها، بدل أن تعيش غربة مضاعفة...

لم أتمالك نفسي أن صفقت في فرح و أنا أقول :
ـ سأحاول أيضاً أن أتحدث إلى عمتي... ما رأيك يا سارة؟

بدا الفرح على محيا سارة، لكنها ابتسمت في قلق و هي تقول :
ـ آمل أن يوافقا...


وصلنا إلى المنتزه فقفزنا من السيارة في فرح حاملات سلة اللّمجات و المفرش و زجاجات المياه، في حين انصرف طارق
على أن يعود لاصطحابنا بعد ساعات ثلاث... كانت سارة أكثرنا انطلاقا فقد
أخذت تركض هنا وهناك على الأرض المعشوشبة تطارد الفراشات الملونة كأنها
طفلة صغيرة تخرج للحقول للمرة الأولى، ثم استلقت في إعياء تحت شجرة ضخمة و
راحت تتأمل السماء الصافية في انشراح واضح و أشعة الشمس تدفئ ملامحها
الشرقية التي جمدتها قسوة الشتاء الأمريكي... رأيت على شفتيها ابتسامة عذبة
ذكرتني بأيام الطفولة الخالية.

وقفت راوية و هي تقول :
ـ سأشتري بعض الحلويات من المحل المقابل و أعود حالاً...

هتفت و أنا أراها تبتعد :
ـ لا تتأخري و إلا فلن تجدي لمجتك!

ضحكت سارة و هي تلتفت إليّ :
ـ أنت محظوظة بصديقة مثل راوية!

ابتسمت في ود و أنا أقول :
ـ نعم... بالفعل... إنها أفضل صديقاتي و ألزمهن لي منذ الدراسة الثانوية...
و ستكون صديقتك أيضاً! خاصة إن بقيت للإقامة معنا! سنستمتع معا كثيراً،
أنا واثقة!

لبثت وسارة نلهو في مرح ونتراشق بوريقات الشجر التي تساقطت عند الجدع... و مرت الدقائق سريعة.
انتبهت إلى أن راوية لم تعد بعد... محل الحلويات ليس بعيداً أبداً... فقد لمحته ونحن ننزل من السيارة.
حاولت أن أتصل بها على هاتفها الجوال، لكنني لم أتلق أي جواب...
كان القلق قد بدأ يتسلل إلى قلبي، و بدأت سارة تلاحظ انقباضي :
ـ راوية تأخرت!

ـ هل نذهب للبحث عنها؟؟

ما إن وصلنا إلى الباب الأمامي للمنتزه حتى فاجأنا مشهد غير متوقع... كان
من الواضح أن معركة ما وقعت منذ لحظات قليلة! و أغرب ما في الأمر هم
الأشخاص الذين دارت بينهم المعركة، فقد كان طارق يقف قبالتنا و هو يلوي ذراع شاب آخر و يثبته و وجهه إلى الحائط! في حين كان الشاب يتلوى من الألم و يئن طالباً الصفح!

و غير بعيد عنهما كانت تقف راوية و هي تضم ذراعيها إلى صدرها و جسدها يرتعش في ذعر...ركضنا نحوهما في جزع.
كانت عينا راوية مغرورقتين بالدموع، أمسكت بذراعها في قلق و أنا أهتف :
ـ ما الذي يحصل؟

انفجرت راوية باكية و لم تنبس ببنت شفة. التفتت إلى طارق الذي كان وجهه متجهماً و حاجباه معقودين و الغضب باد في عينيه، فقال في حزم :
ـ ستصل الشرطة بعد لحظات... من الأفضل أن تذهبن إلى السيارة!

ثم رمى إلي بالمفاتيح دون أن يعلق...

كان صاحب محل الحلويات يطل من وراء طاولته في فضول. و حين لمح علامات الحيرة على وجوهنا هتف مخاطباً إياي :
ـ ذاك الصعلوك و صديقه كانا يحاولان الاعتداء على الآنسة... لكن الآخر هرب حين وصل هذا الشاب الشهم... بارك الله فيك يا بني...

نظر إليه طارق نظرة ذات معنى و هو يقول :
ـ لكنك لن تشهد بهذا أمام الشرطة... أليس كذلك؟

التفتنا إليه جميعاً في دهشة فواصل في حزم :
ـ لا فائدة من جر الآنسة إلى التحقيقات... ستقول بأنهما حاولا سرقة محفظتي... ما رأيك؟

هز الرجل الطيب رأسه موافقاً بلا تردد و هو يهتف من جديد رافعاً صوته بالدعاء لطارق و مثنياً على أخلاقه و شهامته...

جلسنا في السيارة ننتظر في حين لم تكف راوية عن البكاء و الارتجاف...
ـ أخبريني ما الذي حصل بالضبط؟

أجابت راوية في إعياء :
ـ حين خرجت من المنتزه أحسست بأن شخصاً ما يتبعني... تظاهرت باللامبالاة و
أسرعت الخطو... لكن فجأة أحسست بيد تجذبني من ذراعي و ظهر أحدهما أمامي دون
سابق إنذار و هو يتفوه بكلمات معاكسة بذيئة... ذعرت و هممت بالصراخ، لكن
الثاني كان يكمم فمي و ييدخلي إلى داخل المنتزه (حيث الأشجار كثيفة )...
أحسست بهلع شديد و أخذت أتململ بقوة محاولة الإفلات... و بالفعل نجحت في
التخلص من قبضته و جريت لخطوات قليلة، لكن أحدهما لحق بي قبل أن أتخطى
البوابة الرئيسية و شدني بشدة ثم واصلت قائلة :
ـ ثم لطمني على وجهي في قسوة كادت تفقدني وعيي، و أحسست بقواي تخور حتى لم
أقدر على المقاومة... لست أدري ما الذي حصل بعد ذلك، فقد وجدته يفلتني فجأة
مثلما هاجمني... كان أحدهما يركض مذعوراً و الآخر يقع على الأرض صريعاً...
ثم رأيت وجه طارق أمامي يسألني إن كنت بخير...

كانت سارة تستمع إليها في انفعال واضح و تهتف
في سرور باد من شجاعة أخيها و قوته... أما أنا فقد كنت أحس بفخر حقيقي
بابن عمتي و موقفه الشهم...

لكنني لم أستوعب شيئاً واحداً : كيف ظهر في الوقت المناسب؟ و ما الذي جعله يعود أدراجه بعد أن تركنا في المنتزه؟؟




<<<<تـــــــــــــــــــــابعـــــــــــــــــونــ ـــــــــــا>>>>

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.jerrara.tk
houcine



عدد المساهمات : 721
نقاط : 73440
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: الحلقة التاسعة و العشرين   الجمعة يوليو 29, 2011 6:14 am

الحلقة التاسعة و العشرين



انتظر طارق
وصول سيارة الشرطة، و قص عليهم الحادثة حسب روايته المختلقة، و شهد صاحب
المحل كما أراد. لم يتجرأ الشاب المعتدي على النفي أو الاعتراض لأن عقوبة
الاعتداء بالتأكيد ستكون أكبر من مجرد الشروع في السرقة!

استأذن طارق من العون المشرف على التحقيق ليوصلنا إلى المنزل على أن يتصل فيما بعد بمركز الشرطة ليدلي بشهادته...

التفتت سارة في انفعال إلى أخيها و هو يتخذ مقعده في مكان السائق في سرعة و يدير محرك السيارة في عصبية :
ـ كنت رائعاً يا طارق! لقد فاجأتني بتصرفك السريع و المدهش!

لبث طارق صامتاً للحظات و قد بدا عليه التوتر ثم قال في شبه همهمة :
ـ لم يعد هناك أمان في البلد...

ران علينا الصمت من جديد و تبادلت و راوية نظرات قلقة. استطرد طارق :
ـ لو لم أعد في اللحظة المناسبة، لكان حصل ما لا تحمد عقباه... كنت أحس
بقلق غريب من هذه النزهة منذ البداية و لم أشأ أن أترك ثلاث فتيات بمفردهن
في تلك المنطقة الخالية، لكنني في نفس الوقت لم أرد تقييد حريتكن...
فانصرفت بالفعل، لكن ما إن ابتعدت عن المنتزه بضعة كيلومترات حتى سمعت رنين
هاتف جوال في السيارة... كان هاتف الآنسة راوية قد وقع منها تحت الكرسي... فوجدت الفرصة مواتية حتى أعود و أتفقد المكان... و الحمد لله أن كان سبباً في عودتي سريعاً...

استعادت راوية هاتفها و هي تمتم بكلمات الشكر و الامتنان...

وصلنا إلى المنزل و نزلت راوية معنا حتى تتمالك أنفاسها و تغير ملابسها... فوالدة راوية
ستقلق كثيراً إن رأت ابنتها في تلك الهيئة، أضف إلى ذلك أنها قد تمنعها من
الخروج و تفرض عليها حصاراً إن علمت بأنها تعرضت إلى محاولة اعتداء في
نزهتها معنا...
ظل طارق في السيارة و رفض الدخول إلى المنزل. كان يبدو على وجهه علامات التفكير العميق كأن موضوعاً جللاً يشغل باله...

خرجت سارة لتقدم له كأساً من الماء و هو لا يزال في السيارة، ثم عادت بعد لحظات لتدخل علي في غرفتي، حيث جلست إلى جانب راوية أحاول التخفيف عنها وقع الصدمة. اقتربت مني سارة في هدوء و همست في أذني كأنها تخشى إزعاج راوية و هي في حالتها تلك :
ـ طارق يريد أن يتحدث إليك...

نظرت إليها في دهشة :
ـ إلي أنا؟

ـ نعم، إنه ينتظرك في الحديقة...

ـ ألم يقل لك ماذا يريد؟

هزت كتفيها و مطت شفتيها علامة جهلها بما أسأل عنه، فهمست و أنا أقوم من مجلسي :
ـ ابقي إلى جانب راوية حتى أنظر ما يريد...

خرجت إلى الحديقة و أنا أسترجع عبارات عمتي الغريبة في لقائنا الماضي و تلميحاتها التي تقترب من التصريحات... هل يكون الأمر كذلك؟؟

كان طارق يقف قرب الباب الخارجي و قد أطرق
إلى الأرض في اهتمام واضح. ما إن سمع وقع خطواتي على الممشى حتى رفع رأسه و
رسم على شفتيه ابتسامة أقرب إلى الحزن منها إلى السرور و قال في صوت هادئ
رصين :
ـ آسف على إزعاجك في مثل هذه الظروف...

أجبت في صوت خفيض :
ـ لا بأس...

سألني في اهتمام :
ـ كيف حال راوية الآن؟

ـ إنها أحسن حالاً... هدأت بعض الشيء، لكن تأثير الصدمة لم يكن هيناً...

هز رأسه في تفهم، فأردفت قائلة :
ـ بارك الله فيك... فقد كان تدخلك رائعاً...

اكستى وجهه حمرة خفيفة و هو يتمتم في خجل :
ـ لم أقم إلا بالواجب، و هو ما كان سيقوم به أي شخص آخر شهد الحادثة...

ثم أضاف في صوت بدا فيه الغضب :
ـ لكن من المؤسف أن الشاب الثاني أفلت من قبضتي...

ابتسمت و أنا أقول مطمئنة :
ـ الشرطة ستقوم بالواجب... كما أنني لا أظن شريكه سيتستر عليه طويلاً...

ران علينا الصمت من جديد قبل أن يرفع طارق رأسه من جديد قائلاً :
ـ مرام... هنالك موضوع ما أود أن أحدثك عنه...

تسارعت دقات قلبي و أنا أرد في حذر :
ـ خيرًا إن شاء الله...

تابع في لهجة مطمئنة :
ـ كل الخير إن شاء الله... أنت تعلمين يا مرام أن
حياتي تغيرت كثيراً في الشهور القليلة الماضية... و لا أنكر أن التغيير
الذي طرأ في نفسي هو بفضلك بعد فضل الله تعالى... فقد فتحت عيني على حقائق
كثيرة لم أكن أعيرها اهتماماً، و قد وعيتها في زيارتي الأخيرة إلى بيتكم
بعد أن رأيت تغيرك أنت...

قاطعته قائلة :
ـ أرجوك يا طارق... لا تنسب إلي أي فضل،
فأنا لم أفعل شيئاً على الإطلاق... لكن فطرتك السليمة و وعيك بالخطأ الذي
كنت عليه هو ما دفعك إلى مراجعة نفسك و إعادة النظر في سير حياتك... و
زيارتك لنا لم تكن إلا سبباً من الأسباب، و الله يسوق لك السبب المناسب،
حتى لو كنت بقيت في أمريكا، فربما كان حدث آخر سيصنع التغيير...

ابتسم و هو يصغي إلى كلماتي و أردف بعد لحظات من الصمت :
ـ الحمد لله على كل حال... الحمد لله مجري السحاب و مسبب الأسباب... المهم
الآن... أنت تعلمين أنني عزمت على العودة إلى أرض الوطن للاستقرار بصفة
نهائية...

هززت رأسي علامة الإيجاب و أنا أنتظر بقية كلامه في وجل فواصل قائلاً :
ـ و أعني بالاستقرار، الاستقرار المهني... و العائلي أيضاً...

بدا عليه التردد للحظات و قد تعلق بصره بالأرض :
ـ فأنا في حاجة إلى أن أبدأ مشواري هنا على أسس سليمة و... ربما كنت في
حاجة أكثر إلى شريكة حياة تساندني و تقف إلى جانبي لتحقيق طموحاتي...
فالاستقرار النفسي و العاطفي، كما تعلمين، مهم جداً لتحقيق النجاح على جميع
الأصعدة...

يا إلهي... إنه يتحدث عن موضوع الزواج بالفعل! لم يعد بالإمكان تغيير
الموضوع بعد الدخول في صلبه! ولكن إلى أين سيأخذنا هذا الحديث يا ترى؟!

بدا على طارق الإحراج و هو يتابع :
ـ ربما بدا لك الوقت غير مناسب... لكن الأمر لا يتحمل التأجيل بالنسبة إلي،
و ربما لا تحين فرصة أخرى في الأيام القادمة... لذا غامرت بمفاتحتك في
الموضوع حتى تكون خطواتي المستقبلية على بيّنة... فأنا أبحث في الوقت
الحالي عن موقع مناسب لفتح مكتبي الجديد... ثم سأقوم بتهيئة الطابق الثاني
من منزل العائلة حتى يكون عشاً للزوجية... لذا فمن الضروري أن تكون زوجتي
المستقبلية على علم أيضاً حتى تستعد هي الأخرى...

صمت طارق، فسكتت بدوري و أنا أتساءل في سري : أي جواب ينتظره مني؟!
ما هذه الورطة التي وضعني فيها؟ كيف سأصده هاته المرة دون أن أجرح مشاعره؟
ظننته استوعب الدرس في المرة الماضية، فإذا به يعود... و بجرأة أكبر هذه المرة!
صحيح أنه تغير... و ربما يظن أن علاقتي بحسام لم تثمر، خاصة بعد أن صرحت أمي بأنني في حل من أية علاقة...
ما العمل إذن؟؟

مضت ثواني قليلة قبل أن يتمالك طارق نفسه و يستعيد رباطة جأشه ليقول في صمت كالهمس :
ـ مرام... هلا فاتحت صديقتك راوية برغبتي في الارتباط بها...

للحظات لم أصدق أذني... راوية؟! غير معقول!!!
انفرجت شفتاي و هممت بقول شيء ما لكن الدهشة كانت قد عقدت لساني و لم أملك
التعليق بكلمة... هل هو جاد فعل؟! إذن فهو لم يفكر فيّ أنا بل في صديقتي راوية!! لكن منذ متى؟ و كيف؟ لكن عمتي... هل تعلم بما يزمع القيام به؟!

لاحظ طارق الدهشة التي اكتست ملامحي، و فمي الذي ظل مفتوحاً في بلاهة دون أن أنبس ببنت شفة فأردف موضحاً :
ـ ربما تقولين بأنني لا أعرف راوية جيداً و لم
أرها كثيراً، فكيف قررت خطبتها... لكنني رأيتها بضع مرات... المرة الأولى
كانت في زيارتي السابقة، أمام كليتك... و قد لاحظت حياءها و حسن تعاملها...
لكنني في الحقيقة أعتمد أكثر على كونها صديقتك المقربة! لذا أعتقد أنها
ستكون في مثل خلقك و التزامك...

تضرجت وجنتاي و أطرقت هامسة :
ـ حسن... سأفاتحها في الموضوع قريبا... لكن ربما كان وضعها غير مناسب اليوم...

هز رأسه موافقا و قال :
ـ أعتمد عليك في تحيّن الفرصة المناسبة...

انصرف طارق و لبثت واقفة مكاني بالحديقة، متفكرة... هل من الممكن أن تنسى راوية قصة جاد بسهولة و توافق على طلب طارق؟!
هل من الممكن أن توافق لمجرد العرفان بالجميل بعد أن أنقذها من محاولة الاعتداء؟
كما أن طارق مستعجل على الزواج... و راوية
لا تزال في السنة الثالثة من دراستها الجامعية. فهل سيكون الزواج في مثل
هذه المرحلة خياراً مناسباً بالنسبة إلى دراستها و مستقبلها المهني؟
على أية حال... الأمر لها قبل كل شيء... فلم أشغل بالي قبل مشاورتها!

<<<< تـــــــــــابعـــــــــــونـــــــــــــا >>>>














الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.jerrara.tk
 
يوميات فتاة مسلمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 2انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المرجو منكم إخواني الأفاضل و أخواتي الفضليات التسجيل معنا و مشاركتنا بما تفيض به أقلامكم  :: الدعوة و الإرشاد-
انتقل الى: