المرجو منكم إخواني الأفاضل و أخواتي الفضليات التسجيل معنا و مشاركتنا بما تفيض به أقلامكم
مرحبا بكم أخي الفاضل / أختي الفاضلة تشرفنا زيارتكم و نرجو أن تقضوا معنا أمتع الأوقات و اللحظات كما نرجو من سيادتكم التسجيل معنا إن لم تتسجلوا بعد و بارك الله فيكم أخي الفاضل / أختي الفاضلة

قل : " لا إلاه إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

لا تنسونا من صالح دعائكم أخي الفاضل / أختي الفاضلة

المرجو منكم إخواني الأفاضل و أخواتي الفضليات التسجيل معنا و مشاركتنا بما تفيض به أقلامكم

يمكنكم مراسلتي عبر البريد الإلكتروني Hassouniway@hotmail.fr لتقديم اقتراحاتكم و آرائكم و شكرا مسبقا
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بحث : القضية الفلسطينية

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
houcine



عدد المساهمات : 721
نقاط : 80840
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 14/12/2009

مُساهمةموضوع: بحث : القضية الفلسطينية   الأربعاء أبريل 20, 2011 2:07 pm

القضية الفلسطينية
خلفياتها و تطوراتها حتى سنة 2000

مقدمة :
ثلاثة جوانب تجعل القضية الفلسطينية القضية الأبرز التي شغلت -ولا تزال تشغل- العالم العربي والإسلامي:
الجانب الأول: طبيعة الأرض بقدسيتها وبركتها ومركزيتها في قلوب المسلمين.
والجانب الثاني: طبيعة العدو بخلفيته العقائدية وعدائه التاريخي.
والجانب الثالث: طبيعة التحالف الغربي- الصهيوني الذي هدف أساساً إلى تمزيق الأمة الإسلامية، وإضعافها وإبقائها مفككة الأوصال، تدور في فلك التبعية للقوى الكبرى.
ولذلك يمثل التحدي اليهودي الصهيوني، الذي انزرع في فلسطين -قلب العالم الإسلامي -بأشكاله العسكرية والسياسية والحضارية، أبرز التحديات التي تواجه الأمة المسلمة، وسعيها نحو التحرر والوحدة والنهضة، لاسترداد مكانتها وريادتها بين الأمم.
وليس بخافٍ أن هذه القضية لم تكن يوماً قضية الفلسطينيين وحدهم؛ لأن إنشاء الكيان اليهودي-الصهيوني على أرض فلسطين لم يكن إلا مركزاً متقدماً لتنفيذ هذا البرنامج الغربي -الصهيوني. وسواء التقى ذلك مع أهداف أخرى من حل مشكلة اليهود في أوربا، أو التعاطف الديني مع رغباتهم، فإن الحقيقة الصارخة تكشف مدى الظلم الذي يرتكبه الغرب في تهجير شعب فلسطين وتدمير كيانه، وتعريض العالم الإسلامي للخطر، والاستقرار العالمي للانفجار، في سبيل تحقيق أهدافهم تلك، في عالمٍ يزعمون فيه دعوتهم للسلام العالمي وحقوق الإنسان.
فلسطين:
يطلق اسم فلسطين على القسم الجنوبي الغربي لبلاد الشام، وهي الأرض الواقعة غربي آسيا، على الساحل الشرقي للبحر المتوسط. ولفلسطين موقع استراتيجي هام، إذ تُعدُّ صلة الوصل بين قارتي آسيا وإفريقيا، ونقطة التقاء جناحي العالم الإسلامي.
وقد سكن الإنسان أرض فلسطين منذ عصور موغلة في القدم، كما تدل الحفريات والآثار، وشهدت أرضها مراحل التطور الإنساني الأُولى في التحول من الرعي إلى الزراعة، كما أن أول مدينة جرى تشييدها في التاريخ هي مدينة "أريحا" الواقعة شمال شرقي فلسطين وذلك نحو 8000 ق.م حسبما يذكر علماء الآثار.
وأقدم اسم معروف لهذه الأرض هو "أرض كنعان"؛ لأن أول شعب سكن هذه الأرض ومعروف لدينا تاريخياً هم "الكنعانيون"، الذين قدموا من جزيرة العرب نحو 2500 ق.م. واسم فلسطين هو اسم مشتق من اسم أقوام بحرية، لعلها جاءت من غرب آسيا الصغرى ومناطق بحر إيجة حوالي القرن الثاني عشر ق.م، وورد اسمها في النقوش المصرية باسم "ب ل س ت"، وربما أضيفت النون بعد ذلك للجمع، وقد سكنوا المناطق الساحلية، واندمجوا بالكنعانيين بسرعة، فلم يبق لهم أثر مميز سوى أنهم أعطوا الأرض اسمهم[1].
أما أرض فلسطين بحدودها الجغرافية المتعارف عليها حالياً فلم تتحدد بدقة إلا في أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين (وخصوصاً خلال 1920ـ1923). وقد ظلت حدود أرض فلسطين تضيق وتتسع عبر التاريخ، غير أنها ظلت تعبِّر بشكل عام عن الأرض الواقعة بين البحر المتوسط وبين البحر الميت ونهر الأردن. وفي العهد الإسلامي قُسمت بلاد الشام إلى "أجناد"، وكان جند فلسطين يمتد من رفح على الحدود مع سيناء المصرية إلى اللجُّون التي تقع على بعد 18 كم شمالي غرب مدينة جنين. وأياً كانت التقسيمات في العهود الإسلامية المختلفة فإن فلسطين ظلت جزءاً من بلاد الشام، ولم تكن مثل هذه التقسيمات توسيعاً أو تضييقاً لتغيّر شيئاً من حقيقة شعور أبنائها بأنهم أبناء أمة مسلمة واحدة، وأن ولاءهم للحكم لا يهتز ما دام مسلماً حقاً. وعلى أي حال، فإن مساحة فلسطين وفق التقسيمات المعاصرة تبلغ 27009 كم2[2].
وتتمتع فلسطين بمناخ معتدل هو مناخ البحر المتوسط، وهو مناخ يشجع على الاستقرار والإنتاج. ويمكن أن تقسم فلسطين إلى ثلاثة قطاعات رئيسية، هي السهل الساحلي والمرتفعات الجبلية الوسطى والأخدود الأردني. والسهل الساحلي منطقة تركز غالب الفلسطينيين، حيث الموانئ ومراكز التجارة والنشاط الاقتصادي والزراعي. وتشمل المرتفعات الجبلية الوسطى جبال الجليل ونابلس والخليل وهضبة النقب، وأعلى جبالها ارتفاعاً هو جبل الجرمق شمال فلسطين الذي يبلغ ارتفاعه 1207 أمتار، وقد سكن في هذه المرتفعات الفلاح الفلسطيني منذ آلاف السنين وزرعها بالحبوب والفواكه والخضار، ورعى الماشية. أما الأخدود الأردني، حيث يجري نهر الأردن ليصب في البحر الميت، فهو يُعدُّ أكثر المناطق انخفاضاً عن مستوى سطح البحر من أي مكان آخر على وجه الأرض، حيث يصل الانخفاض إلى نحو 400 متر تحت سطح البحر، وهي مناطق تتميز بحرارتها طوال العام، وتشتهر بزراعتها للنخيل والموز والخضروات.
مكانة فلسطين الإسلامية :
لأرض فلسطين مكانة عظيمة في نفوس المسلمين فهي:
- أرض مقدسة بنص القرآن الكريم "يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم"[3].
- أرض مباركة بنص القرآن الكريم "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله"[4]، وقوله تعالى: "ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها"[5].
- وفيها المسجد الأقصى المبارك، أول قبلة للمسلمين، وثالث المساجد مكانة في الإسلام ويُسنُّ شد الرحال إليه، والصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة عما سواه من المساجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى"[6]، وقال عليه السلام: "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة"[7].
- وفلسطين أرض الأنبياء و مبعثهم -عليهم السلام -فعلى أرضها عاش إبراهيم ولوط وإسماعيل واسحق ويعقوب ويوسف وداود وسليمان وصالح وزكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام ممن ورد ذكرهم في القرآن، كما زارها محمد r. وعاش على أرضها العديد من أنبياء بني إسرائيل ـ ممن لم يرد ذكرهم في القرآن ـ عندما كانت تسوسهم الأنبياء، وممن ورد ذكرهم في الحديث الصحيح يوشع عليه السلام.
- وفلسطين أرض الإسراء، فقد اختار الله سبحانه المسجد الأقصى ليكون مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومنه كان معراجه إلى السماء، فشرَّف الله سبحانه هذا المسجد وأرض فلسطين تشريفاً عظيماً. وهناك في المسجد الأقصى جمع سبحانه الأنبياء حيث أمّهم رسول الله في الصلاة، دلالة على استمرار رسالة التوحيد التي جاء بها الأنبياء، وعلى انتقال ميراث الأنبياء والإمامة وأعباء الرسالة إلى الأمة الإسلامية.
- وفي الحديث الصحيح أن بيت المقدس هي "أرض المحشر والمنشر"[8].
- وبلاد الشام ـ وفلسطين جزء منها ـ هي عقر دار الإسلام وقت اشتداد المحن والفتن، كما في الحديث الصحيح "عقر دار الإسلام بالشام"[9]، و "ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام"[10].
- والمقيم المحتسب في هذه الأرض كالمجاهد والمرابط في سبيل الله لقوله صلى الله عليه وسلم: "أهل الشام وأزواجهم وذرياتهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل مدينة من المدائن فهو في رباط، ومن احتل منها ثغراً من الثغور فهو في جهاد"[11]، والطائفة المنصورة الثابتة على الحق إلى يوم القيامة تسكن في الشام وخصوصاً بيت المقدس وأكناف بيت المقدس[12].
وعلى ذلك، فلا غرو أن تتعلق قلوب المسلمين وأفئدتهم بهذه الأرض المباركة المقدسة ويفدونها بدمائهم وأرواحهم.
فلسطين عبر التاريخ :
هناك آثار تشير إلى أن الإنسان سكن فلسطين منذ العصر الحجري القديم (500 ألف-14 ألف ق.م)، كما يشير العصر الحجري الوسيط (14 ألف-8 آلاف ق.م) إلى وجود أشكال حياة حضارية تمثلت بما يعرف بالحضارة النطوفية. وعندما قدم الكنعانيون من جزيرة العرب (نحو 2500 ق.م) كانت هجرتهم واسعة بحيث أصبحوا السكان الأساسيين للبلاد، وقد أنشأوا ما لا يقل عن مائتي مدينة وقرية في فلسطين، مثل مدن بيسان وعسقلان وعكا وحيفا والخليل وأسدود وبئر السبع وبيت لحم[13]. ويرى ثقات المؤرخين أن معظم أهل فلسطين الحاليين، وخصوصاً القرويين، هم من أنسال القبائل الكنعانية والعمورية والفلسطينية، ومن القبائل العربية التي استقرت في فلسطين قبل الفتح الإسلامي وبعده، حيث اندمج الجميع في نسيج واحد، يجمعهم الإسلام واللغة العربية، حيث أسلم الجميع واستعربوا تحت الحكم الإسلامي طوال ثلاثة عشر قرناً.
كان قدوم إبراهيم عليه السلام إلى فلسطين (نحو 1900 ق.م) إشراقة لنور التوحيد في هذه الأرض المباركة، وقد عاصر حاكم القدس "ملكي صادق" الذي كان على ما يبدو موحداً وصديقاً له. وكان لأبي الأنبياء إبراهيم دوره في نشر رسالة التوحيد، ويبدو أنه لم يجد عنتاً أو عناءً من أهل فلسطين، ولم يضطر لتركها بسبب دينه أو دعوته فظل مستقراً فيها ويتنقل بحُرّية حيث يشاء إلى أن توفاه الله في المدينة التي حملت اسمه "الخليل". وقد سار على دربه أبناؤه الأنبياء من بعده إسماعيل (الذي استقر في مكة)، واسحق وابنه يعقوب اللذين استقرا في فلسطين. وكان ليعقوب عليه السلام اثنا عشر ابناً هم الأسباط المعرفون ببني إسرائيل (وإسرائيل هو لقب ليعقوب عليه السلام) وقد هاجروا إلى مصر واستقروا فيها، حيث عانوا من اضطهاد الفراعنة بضعة قرون. وأرسل الله لهم موسى عليه السلام (في القرن 13 ق.م) لينقذهم من فرعون وطغيانه، وأهلك الله فرعون وجنوده، غير أن بني إسرائيل في ذلك الزمان كانوا قد طُبعوا على الذلِّ والجبن فرفضوا الذهاب إلى الأرض المقدسة قائلين لموسى: "فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون"[14].
وتوفي موسى عليه السلام قبل أن يدخل فلسطين، وعندما نشأ جيل جديد صلب من بني إسرائيل بعد أربعين سنة من التيه، قادهم يوشع بن نون عليه السلام (نحو 1190 ق.م) حيث عبر بهم نهر الأردن، واستطاع تحقيق بعض السيطرة لبني إسرائيل في الجزء الشمالي الشرقي من فلسطين. ولمدة 150 سنة تالية سادت النكبات والفوضى والخلافات والانحلال الخلقي والديني بين بني إسرائيل. ولم يتحسن حالهم إلا بقدوم طالوت ملكاً عليهم، والذي استطاع الانتصار على أعدائه.
وكان ظهور داود عليه السلام الذي خلف طالوت إيذاناً ببدء مرحلة جديدة لنور التوحيد في الأرض المباركة، حيث آتاه الله الملك (نحو 1004 ق.م) وقد واصل حربه ضد الأقوام الكافرة على الأرض المقدسة حيث أخضعها واستطاع نقل عاصمته إلى القدس سنة 995 ق.م وسيطر على معظم فلسطين، باستثناء معظم المناطق الساحلية التي لم تخضع له. واستمر في حكمه عليه السلام حتى 963 ق.م حيث خلفه ابنه سليمان عليه السلام (963-923 ق.م) حيث شهدت فلسطين حركة بناء وعمران وازدهار ضخمة، وسخّر الله له الريح والجنّ، وأعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده. وكان حكم داود وسليمان هو العصر الذهبي الذي حُكمت فيه فلسطين نحو ثمانين عاماً تحت راية الإيمان والتوحيد قبل الفتح الإسلامي لها.
وبعد وفاة سليمان انقسمت مملكته إلى دولتين منفصلتين متعاديتين في كثير من الأحيان فنشأت مملكة "إسرائيل" شمال فلسطين خلال الفترة (923-721 ق.م) التي سمتها دائرة المعارف البريطانية ازدراء "المملكة الذيلية" حيث ضعفت وفسد حكامها وانتهى أمرها بسيطرة الآشوريين بقيادة سرجون الثاني عليها، وتدميرها ونقل سكانها من بني إسرائيل إلى حرّان والخابور وكردستان وفارس، وأحلوا مكانهم جماعات من الآراميين، ولم يبق بعد ذلك أثر لأسباط بني إسرائيل العشرة الذين شكَّلوا هذه الدولة. أما مملكة "يهودا" فاستمرت منذ (923-586 ق.م)، وكانت عاصمتها القدس وقد اعترتها عوامل الضعف والوقوع تحت النفوذ الخارجي فترات طويلة، فقد هزمها ودخل عاصمتها شيشق فرعون مصر (أواخر القرن 10 ق.م)، وفعل مثله الفلسطينيون في عهد يهورام (849-842 ق.م)، واضطرت لدفع الجزية للآشوريين …، ثم إنها سقطت أخيراً بيد البابليين بقيادة نبوخذ نصر الذي خرَّب القدس، ودمَّر الهيكل، وسبى حوالي 40 ألفاً من اليهود، وبذلك سقطت مملكتهم سنة 586 ق.م.
وتشير التوراة إلى آثام بني إسرائيل التي استحقوا بسببها دمار ملكهم، فتذكر على لسان أشعيا ـ أحد أنبيائهم ـ: "ويل للأمة الخاطئة، الشعب الثقيل الآثم، نسل فاعلي الشرّ، أولاد مفسدون تركوا الرب، واستهانوا بقدوس إسرائيل، ارتدوا إلى وراء" سفر أشعيا، الإصحاح الأول، وتقول التوراة: "والأرض تدنست تحت سكانها لأنهم تعدّوا الشرائع، غيّروا الفريضة، نكثوا العهد الأبدي" سفر أشعيا، الإصحاح 24.
وهكذا فلم تَطُل مملكة بني إسرائيل في فلسطين أكثر من أربعة قرون حكموا في معظم الوقت بعضاً من أرضها، وكان حكمهم غالب الوقت ضعيفاً مفككاً، وخضع أحياناً لنفوذ وهيمنة دول قوية مجاورة. وفي الوقت نفسه ظل أبناء فلسطين من الكنعانين وغيرهم في أرضهم، ولم يهجروها أو يرتحلوا عنها.
وقد سمح الإمبراطور الفارسي قورش لليهود بالعودة إلى فلسطين، فعادت قلّة منهم، عاشت إلى جانب أبناء فلسطين، وتمتعت منطقة القدس بنوع من الحكم الذاتي تحت السلطة الفارسية التي استمرت (539-332 ق.م). وتلا ذلك عصر السيطرة الهللينية الإغريقية على فلسطين (332-63 ق.م) واستمر يدير شئون اليهود "الكاهن الأكبر"، واستطاع اليهود تحقيق حكم ذاتي منذ سنة 164 ق.م أخذ يضيق ويتسع، وتزداد مظاهر استقلاله وتضعف حسب صراع القوى الكبرى في ذلك الوقت على فلسطين (الرومان، البطالمة، السلوقيين …).
وقد تمكن الرومان من السيطرة على فلسطين 63 ق.م، وأخضعوها لحكمهم المباشر من سنة 6 م حيث ألغوا الحكم الذاتي اليهودي في منطقة القدس. وقد ثار اليهود (66-70 م) لكن القائد العسكري الروماني تيتوس أخمد ثورتهم ودمّر الهيكل، ثم ثار اليهود مرة أخرى وأخيرة (132-135 م) لكن القائد الروماني جوليوس سيفروس احتل القدس ودمرها، وأقام الإمبراطور الروماني هدريان مدينة جديدة فوق خرائبها سماها إيليا كابيتولينا حيث عُرفت بعد ذلك باسم إيلياء، وهو اسم هدريان الأول. وحظر على اليهود دخول القدس حوالي 200 سنة تالية[15]، وندرت أعدادهم نسبة إلى السكان طوال 18 قرناً تالية. بينما ظل أهل البلاد الأصليون من كنعانيين ومن اختلط بهم من قبائل العرب مستقرين في البلاد قبل قدوم بني إسرائيل وفي أثناء وجودهم، وظلوا مستمرين كذلك بعدهم إلى أيامنا هذه.
فلسطين في العهد الإسلامي
قبل أن تتشكل الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، كانت أنظار القلّة المستضعفة من المسلمين في مكة تتجه إلى المسجد الأقصى وبيت المقدس في فلسطين. إذ إن معجزة الإسراء تمت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وكان المسجد الأقصى هو القبلة الأولى للمسلمين في الصلاة. وقد كان فتح خيبر وفدك (7هـ) وغزوتا مؤتة (8هـ) وتبوك (9هـ) وحملة أسامة بن زيد (11هـ) مقدمة لتطلع المسلمين إلى بلاد الشام.
أما فتح فلسطين فكانت أبرز المعارك التي أدت إلى فتحها هي معركة أجنادين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه في 27 جمادى الأولى 13هـ ـ 30 يوليو 634م قرب بيت جبرين التي قتل فيها نحو ثلاثة آلاف من الروم، ومعركة فحل ـ بيسان في 28 ذي القعدة 13هـ ـ 23 يناير 635م والتي كان ميدانها غربي نهر الأردن إلى الجنوب من بيسان. أما المعركة الفاصلة فكانت معركة اليرموك شمالي الأردن في 5 رجب 15هـ ـ 12 أغسطس 636م والتي واجه فيها جيشُ المسلمين ـ المكون من 36 ألفاً بقيادة أبي عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهما ـ جيش الروم البالغ 200 ألف. وقد حلَّت كارثة كبرى في الروم قدَّرها بعض المؤرخين بنحو 130 ألف قتيل. وقد أدت هذه المعركة إلى فتح بلاد الشام. وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنفسه لاستلام مفاتيح بيت المقدس بعد أن حاصرها المسلمون بضعة أشهر ورغب أهلها في الصلح شرط أن يتولى عمر رضي الله عنه العقد بنفسه. وهي المدينة الوحيدة في عهد الراشدين التي تولى خليفة بنفسه استلام مفاتيحها، وقد شارك عمر في الفتح نحو أربعة آلاف من الصحابة وصدَح صوت بلال بن رباح فيها بالأذان بعد أن كان امتنع عن ذلك منذ وفاة النبي r.[16] وقد كتب عمر بن الخطاب لأهل القدس عهداً، اشتهر باسم "العهدة العمرية"[17] وقد جاء فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها ولا من حيِّزِها ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود.
وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن. وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن وله مثل ما على أهل إيلياء من الجزية ...
وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية.
شهد على ذلك خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب وحضر سنة 15هـ".
ويعكس هذا النص مدى التسامح الديني عند المسلمين في عالم كان يسوده التعصب الأعمى والإكراه على الدين. وقد تم فتح القدس على الأرجح في ربيع الآخر 15هـ ـ مايو 637م. وكانت "قيسارية" آخر مدينة تفتح في فلسطين في شوال 19هـ ـ أكتوبر 639م، وكانت ميناء ومدينة عامرة قوية سعى الروم للاحتفاظ بها قدر استطاعتهم.
وحسب التقسيمات الإدارية أصبحت فلسطين "جنداً" من "أجناد" الشام الذي توزع على أربعة أجناد في الراشدين، وأصبحت خمساً في عهد الدولة الأموية. وقد ظلت فلسطين جزءاً أصيلاً في الدولة الإسلامية ومتفاعلاً مع تطوراتها السياسية والحضارية. ولم يكن تغيُّر الدول والأسر الحاكمة ليؤثر على حقيقة أن أهل فلسطين عرب مسلمون موالون لدولة الإسلام وحكم الإسلام.
وقد استمر حكم الراشدين حتى سنة 41هـ ـ 661م، ثم تبعه حكم بني أمية حتى 132هـ ـ 750م، ثم العباسيون الذين استمر حكمهم المباشر على فلسطين إلى أن بدأ يعاني من الضعف والتفكك مع انتهاء العصر العباسي الأول بمقتل الخليفة العباسي المتوكل سنة 247هـ ـ 861م مما أعطى الفرصة للولاة إلى أن يشكلوا لأنفسهم سلطات محلية وراثية، كما حدث مع العائلة الطولونية التي حكمت مصر وضمَّت فلسطين إليها 264 ـ 292هـ أي 878 ـ 905م، وقد حذا الأخشيديون حذو الطولونيين عندما حكموا مصر، فضموها إلى نفوذهم 323 ـ 358هـ أي 935 ـ 969م. وقد حكم الأخشيديون والطولونيون تحت الظل الاسمي للدولة العباسية.
وفي 358هـ تمكن الفاطميون الذين ينتمون إلى المذهب الإسماعيلي من السيطرة على فلسطين. وخاض الفاطميون صراعات مع الثورات المحلية ومع القرامطة والأتراك السلاجقة للسيطرة على فلسطين. وتمكن السلاجقة في 464هـ ـ 1071م من السيطرة على معظمها. لكن الصراع عاد ليحتدم بين السلاجقة أنفسهم وبينهم وبين الفاطميين الذين تمكنوا من السيطرة على صور سنة 1097 وبيت المقدس في فبراير 1098 وقد كان هذا الصراع في غمرة الحملة الصليبية الأولى التي بدأت طلائعها في الوصول إلى بلاد الشام. وقام الفاطميون بمراسلة الصليبيين عارضين عليهم التعاون في قتال السلاجقة مقابل أن يكون القسم الشمالي من بلاد الشام للصليبيين وفلسطين للفاطميين.[18]
وليس من منهجنا في هذه الدراسة أن نتحدث عن تفصيلات الحروب الصليبية.[19] ولكننا نذكر أن الصليبيين تمكنوا من احتلال فلسطين، وسيطروا على القدس 493هـ ـ 1099م بعد أن خاضوا في بحر من دماء المسلمين، وقتلوا منهم في القدس حوالي سبعين ألفاً. لكن الأمة المسلمة كانت لا تزال تملك الكثير من القوة والحيوية وكانت أرقى حضارياً وعلمياً من الصليبيين الأوروبيين، رغم ما كانت تعانيه من تشرذم وصراع سياسي وحروب داخلية. فقد ظهر أبطال مجاهدون أنهكوا الصليبيين طيلة فترة حكمهم، من أمثال أقسنقر البرسقي 508 ـ 520هـ، وعماد الدين زنكي 521 ـ 540هـ الذي أسقط إمارة الرها الصليبية، وابنه نور الدين محمود 541 ـ 569هـ / 1146 ـ 1174م، الذي قدَّم نموذجاً فذاً للقيادة المسلمة، وتبنى مشروعاً نهضوياً حضارياً موازياً لمشروع التحرير الذي شغله طيلة حكمه، فتمكن من توحيد القوى الإسلامية بقيادته في بلاد الشام، ثم ضمَّ مصر إلى حكمه، وأسقط الخلافة الفاطمية فيها على يد واليه هناك صلاح الدين الأيوبي، وتمكن من تحرير نحو خمسين مدينة وقلعة من الصليبيين. إلا أنه توفي رحمه الله بعد أن استكمل تثبيت فكي الكماشة (مصر والشام) على عنق الصليبيين.
رفع صلاح الدين الأيوبي راية الجهاد بعد نور الدين 569 ـ 589هـ / 1174 ـ 1193م، وأعاد توحيد الشام ومصر تحت قيادته، وخاض معركة حطين مع الصليبيين في 24 ربيع الآخر 583هـ ـ 4 يوليو 1187م وهي معركة فاصلة في التاريخ أدت إلى تحطيم الوجود الصليبي وفتح بيت المقدس في 27 رجب 583هـ ـ 2 أكتوبر 1187م أي بعد نحو 88 عاماً من الحكم الصليبي. وقد تابع الصليبيون حملاتهم وتمكنوا من السيطرة على شريط ساحلي بين يافا وصور، كما سيطروا مرة أخرى على القدس (بسبب الصراعات الداخلية في الدولة الأيوبية). معظم الفترة بين 626 ـ 642هـ / 1229 ـ 1244م إلى أن عادت نهائياً إلى حظيرة الإسلام، واستمرت كذلك حتى الاحتلال البريطاني لفلسطين سنة 1917م.
وقد خلف المماليك الدولة الأيوبية سنة 648هـ ـ 1250م وواجهوا الزحف المغولي على أرض فلسطين في معركة عين جالوت 25 رمضان 658هـ الموافق 6 سبتمبر 1260م بقيادة قطز (محمود بن ممدود) والتي تعدُّ من المعارك الفاصلة في التاريخ. ثم تابع المماليك مشروع تحرير فلسطين وبلاد الشام من بقايا الصليبيين، فقام الظاهر بيبرس بجهد كبير في ذلك، حيث استرد العديد من المناطق في فلسطين والشام ثم تابعه سيف الدين قلاوون، ثم ابنه الأشرف خليل بن قلاوون الذي تم على يديه إنهاء الوجود الصليبي في بلاد الشام بإسقاطه مملكة عكا الصليبية. إذ حرّر عكا في 17 جمادي الأولى 690هـ الموافق 18 مايو 1291م، واستولى بعد ذلك بسرعة على صيدا وصور وحيفا وعتليت. لتعود السيطرة الكاملة على فلسطين والشام من جديد لحكم الإسلام.
وعندما ضعف شأن المماليك قام العثمانيون بالسيطرة على فلسطين (وباقي الشام) سنة 1516م وسيطروا على مصر في السنة التالية، ووسَّعوا سيطرتهم خلال نصف القرن التالي لتشمل معظم العالم العربي، حيث استمر حكمهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة 1918م.
وقد تولت الدولة البيزنطية (دولة الروم) القسم الشرقي من الدولة الرومانية منذ 394 م، واستمرت في الهيمنة على فلسطين ـ عدا فترات ضئيلة من النفوذ الفارسي ـ حتى جاء الفتح الإسلامي لفلسطين سنة (15 هـ/ 636 م) في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ومنذ ذلك الزمان اكتسبت فلسطين طابعها الإسلامي، ودخل أهلها في دين الله أفواجاً، وتعربوا وتعربت لغتهم بامتزاجهم مع القبائل العربية القادمة من الجزيرة العربية تحت لواء الحضارة الإسلامية.
ولم تكن فترة الحروب الصليبية لتؤثر كثيراً على هوية الأرض والسكان، فقد استمرت مملكة بيت المقدس الصليبية إلى أن سقطت بعد 88 عاماً (1099-1187) على يد البطل المسلم صلاح الدين الأيوبي، وكانت هذه المملكة في أحيان كثيرة في وضع دفاعي مُنهك، عانت فيه من هجمات قادة المسلمين أمثال نور الدين محمود رحمه الله.
وعلى أي حال، فإن الحكم الإسلامي لفلسطين استمر نحواً من 1200 سنة حتى 1917 م، وهي أطول فترة تاريخية مقارنة بأي حكم آخر، كان الحكم فيها مسلماً، والشعب مسلماً، وغطى الحكم كلَّ فلسطين وليس بعضها، كما ضرب المسلمون المثل الأعلى في التسامح الديني وحرية الأديان، فكانوا خير من خدم الأرض المقدسة، وحمى حرمتها.
وقد ترسخ الإسلام في فلسطين بقدوم عدد من الصحابة رضي الله عنهم واستقرارهم في فلسطين ونشرهم للإسلام فيها، وكان منهم: عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأسامة بن زيد بن حارثة، وواثلة بن الأسقع، وفيروز الديلمي، ودحية الكلبي، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وعلقمة بن مجزر الكناني، وأوس بن الصامت، ومسعود بن أوس بن زيد، وزنباع بن روح، وأبو ريحانة شمعون الأنصاري، وسويد بن زيد، وذو الأصابع التميمي، وأبو أُبيّ بن أم حرام الأنصاري، وأنيف بن ملة الجذامي، وأبو رويحة الفزعي… وغيرهم من الصحابة الذين عاشوا في فلسطين ودُفنوا في ثراها.
ومن التابعين من أبناء فلسطين رجاء بن حيوة الكندي من مواليد بيسان، وهو الذي أشار على سليمان بن عبد الملك بتولية عمر بن عبد العزيز الخلافة. ومن التابعين أيضاً عبادة بن نسي الكندي، وروح بن زنباع، وممن سكن فلسطين أو زارها من التابعين مالك بن دينار، والأوزاعي، وهانئ بن كلثوم، وحميد بن عبد الله اللخمي، وسفيان الثوري، وابن شهاب الزهري.
ومن كبار الأئمة والفقهاء الذين ولدوا في فلسطين الإمام الشافعي الذي ولد في مدينة غزة، وممن عاشوا في فلسطين أو زاروها من الأئمة إبراهيم بن أدهم، والليث بن سعد، وأبو بكر محمد الطرطوشي، وأبو بكر الجرجاني، وابن قدامة المقدسي.
وإلى فلسطين ينتسب فاتح الأندلس القائد موسى بن نصير اللخمي، كما ينتسب إليها عبد الحميد بن يحيى رئيس فن الكتابة وسيّد الإنشاء والدواوين في عصره، وينتسب إليها أيضاً أول علماء الكيمياء الكبار في التاريخ الإسلامي خالد بن يزيد الأموي. ولا يتسع المجال للاستطراد، فقد كانت الأرض المقدسة مركزاً للحضارة الإسلامية، ومهوى لأفئدة المسلمين، وشارك أبناؤها بفعالية في بناء صرح الأمة الإسلامية الشامل وفي الارتقاء بنهضتها[20].
المزاعم الدينية والتاريخية لليهود في فلسطين :
تجدر الإشارة إلى أن يهود هذا الزمان يبنون احتلالهم لفلسطين على مزاعم دينية وتاريخية، فيدّعون أن الله سبحانه وعدهم هذه الأرض، ويشيرون إلى ارتباطهم التاريخي بها بحكمهم إياها زمناً، وبتواجدهم على أرضها، وارتباطهم النفسي والروحي بها، وقدسيتها عندهم. ونحن نؤمن أن لليهود حريتهم الدينية، وليس من حق أحد أن يكرههم على تغيير عقائدهم، ولكن ليس من حقهم أن يلزموا الآخرين بعقيدتهم. كما أنه ليس من حقهم أن يشردوا شعباً من دياره، ويغتصبوا أرضه وأملاكه ومقدساته تحت دعاواهم الدينية.
أما المسلمون فلا يرون لليهود حقاً في هذه الأرض، فمن ناحية دينية، فإن هذه الأرض أعطيت لبني إسرائيل عندما رفعوا راية التوحيد، واستقاموا عليها، تحت قيادة رسلهم وصالحيهم. ولكنهم انحرفوا وبدّلوا وقتلوا أنبياءهم، وعاثوا في الأرض فساداً بعد ذلك، ففقدوا تلك الشرعية. والمسلمون يؤمنون أنهم الورثة الحقيقيون لراية التوحيد، وأنهم الامتداد الحقيقي الوحيد لأمة التوحيد ودعوة الرسل، وأن دعوة الإسلام هي امتداد واستمرار لدعوة إبراهيم وإسحق ويعقوب وإسماعيل وموسى وداود وسليمان وعيسى …عليهم السلام. فالمسلمون الآن هم أحق الناس بهذا الميراث بعد أن انحرف الآخرون. والمسألة غير مرتبطة بالجنس والنسل والقومية، وإنما مرتبطة باتباع المنهج، وعلى هذا فنحن المسلمين نؤمن أن رصيد الأنبياء هو رصيدنا، وتجربتهم هي تجربتنا، وتاريخهم هو تاريخنا، والشرعية التي أعطاها الله للأنبياء واتباعهم في حكم الأرض المقدسة هي دلالة على شرعيتنا وحقنا في هذه الأرض وحكمها. قال تعالى: "ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين"[21]، وقال تعالى: "ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون"[22]، وقال تعالى: "وإذ ابتلى إبراهيم ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين"[23]. وهكذا فإن الله أخبر إبراهيم عليه السلام أن الإمامة والقيادة لا ينالها الظالمون من نسله وذريته، لأن الأمر مرتبط بالاستقامة على منهج الله، ولو كان الأمر مرتبطاً بالتناسل فلا ينبغي لبني إسرائيل أن يقصروه على أنفسهم، ولاستحق إسماعيل عليه السلام ونسله هذا الوعد الذي أُعطي لإبراهيم، ولاستحقه العرب المنتسبون إلى إسماعيل جد العرب العدنانية، ومنهم قريش وسيدها محمد r .
أما من الناحية التاريخية، فإن حكم بني إسرائيل لفلسطين كان فترة ضئيلة ولم تتجاوز الأربعة قرون على أجزاء من فلسطين، وليس كلها. أما الحكم الإسلامي فقد استمر نحو 12 قرناً (636-1917م) قطعته لفترة ضئيلة فترة الحروب الصليبية. وإذا كان معظم اليهود قد غادر فلسطين، وانقطعت صلتهم الفعلية بها مدة 18 قرناً منذ (135م وحتى القرن العشرين) فإن أهل فلسطين الأصليين لم يغادروها طوال الأربعة آلاف وخمسمائة سنة الماضية، إلى أن طُرد عدد كبير منهم قسراً على يد العصابات الصهيونية عام 1948م، ولا زالوا إلى الآن يجاهدون لاسترداد أرضهم دون أن يتنازلوا عنها.
ثم إن أكثر من 80% من يهود هذا الزمان -حسب بعض الباحثين والعلماء اليهود أنفسهم وعلى رأسهم آرثر كوستلر A. Koestler صاحب كتاب القبيلة الثالثة عشر The Thirteenth Tribe: The Khazar Empire & its Heritage - لا يمُـتّون إلى بني إسرائيل ولا إلى فلسطين بأية صلة نسب أو تاريخ، لأن معظم اليهود المعاصرين هم من يهود "الخزر" الذين ترجع أصولهم إلى قبائل تترية-تركية قديمة استوطنت منطقة شمال القوقاز (جنوب روسيا) وتهودت في القرن الثامن الميلادي بقيادة ملكها بولان سنة 740م، وعندما سقط ملكهم انتشروا في روسيا وشرق أوربا، وهم ما يعرف الآن باليهود الأشكناز[24]، فإن كان لهم ثمة حق في العودة فليعودوا إلى جنوب روسيا !!.
خلفيات ظهور القضية الفلسطينية في التاريخ الحديث:
كما أشرنا سابقاً، فَقَدَ اليهود صلتهم بفلسطين عملياً حوالي ألف وثمانمائة عام، ولم يكن لديهم سوى العاطفة الدينية التي رفض أحبارهم وحاخاماتهم وقادتهم تحويلها إلى برنامج عملي؛ لأنهم كانوا يؤمنون أنهم استحقوا تدمير دولتهم وشتاتهم بسبب خطاياهم، وأن عليهم انتظار المسيح المخلِّص الخاص بهم "الماشيح" أو "المسيا"، وعند ذلك يجوز لهم الاستقرار في فلسطين وإقامة كيانهم.
على أن عدداً من التغيرات الهامة حدثت في التاريخ الأوربي الحديث، انعكست بدورها على اليهود وإنشاء المشروع الصهيوني. فمنذ القرن السادس عشر الميلادي ظهرت حركة الإصلاح الديني "الحركة البروتستانتية" التي ركزَّت على الإيمان بالعهد القديم "التوراة"، ونظرت لليهود وفق رؤية توراتية بأنهم "أهل فلسطين" المشردين في الأرض، وآمنت بأن اليهود سيُجمعون من جديد في فلسطين لعودة المسيح المنتظر الذي سيقوم بتنصيرهم، ليبدأ بعد ذلك عهد يمتد ألف سنة من السعادة. وقد شكل أتباع الكنائس البروتستانتية أغلبية سكان بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا ونحو نصف سكان ألمانيا. وهكذا ظهرت "الصهيونية غير اليهودية" خصوصاً وسط هؤلاء البروتستانت الذين دعموا المشروع الصهيوني بناء على خلفية دينية[25].
ومن جهة أخرى فإن أوربا ـ خصوصاً في القرن التاسع عشر ـ شهدت تحولات سياسية هامة، فمنذ الثورة الفرنسية على الحكم الملكي سنة 1789 أخذت تتشكل الدولة الأوربية الحديثة، وانتشرت الفكرة القومية والمشاعر الوطنية، وتم إنشاء أنظمة علمانية فصلت الدين عن الدولة وهمّشت دور الكنيسة. وتم "تحرير" اليهود، وإعطاؤهم كافة حقوق المواطنة، خصوصاً في أوربا الغربية، مما سهل على اليهود اختراق هذه المجتمعات والأنظمة، والارتقاء بمكانتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق مستويات أعلى من النفوذ في دوائر السياسة والاقتصاد والإعلام.
وفي المقابل فإن الدولة القومية والمشاعر الوطنية في روسيا وأوربا الشرقية قد أخذت منحى آخر، حيث كان يتواجد غالبية يهود العالم. إذ قاوم يهود روسيا عمليات الدمج والتحديث الروسية، التي تميزت بالفوقية والقسر والإرهاب. وزادت مشاركة الكثير من اليهود في الحركات الثورية اليسارية من عداء الحكومة القيصرية الروسية لهم، وانفجرت العداوة ضدهم بشكل مكشوف إثر اغتيال قيصر روسيا الكسندر الثاني 1881، والذي اتهم به اليهود. وبدأت موجة من الإجراءات العنيفة القاسية ضدهم سميت ب "اللاسامية"anti-semitism، أي العداء لليهود لكونهم يهوداً ينتمون إلى العنصر السامي، وقد أدى ذلك إلى نشوء "المشكلة اليهودية"[26] إذ إن ملايين اليهود في روسيا أخذوا يبحثون عن فرصة للخلاص مما هم فيه، وبدأت أعداد هائلة منهم في الهجرة إلى أوربا الغربية وأمريكا الشمالية والجنوبية. وكانت هذه فرصة الحركة الصهيونية للظهور والدعوة إلى حل المشكلة اليهودية بإنشاء كيان آمن مستقل لليهود في فلسطين. وتعاطف الكثير من الأوربيين والأمريكان مع هذه الدعوة سواء لخلفياتهم الدينية، أو تخلصاً من أعباء التدفق اليهودي على أرضهم.
وأسهم ضعف الدولة العثمانية ـ التي كانت فلسطين تحت حكمها (1516-1917) ـ وسعي الدول الغربية لتقاسم أراضيها إلى بروز أجواء عملية أفضل لتأسيس المشروع الصهيوني. ففي مؤتمر لندن الاستعماري (1905-1907) ظهرت فكرة إنشاء "الدولة الحاجزة" في منطقة فلسطين، واقترح المؤتمرون الذين رفعوا توصياتهم إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الوقت كامبل بنرمان C. Bannerman إنشاء هذا الكيان بحيث يتشكل حاجز بشري قوي وغريب، شرقي البحر المتوسط، يكون قوة عدوة لشعب المنطقة، وصديقة للدول الأوربية ومعتمدة عليها[27]. وكان أفضل من ينفذ هذا المشروع هم "اليهود".
وقد هدف المشروع الغربي من إنشاء فكرة الدولة الحاجزة إلى غرس كيان غريب في قلب العالم الإسلامي، ويفصل جناحه الآسيوي عن جناحه الإفريقي. يمنع وحدته، ويضمن ضعفه وتفككه، إذ إن استمرار مثل هذا الكيان مرتبط بذلك. وسيسعى هذا الكيان بالتالي لضرب أي نمو حضاري قوي في المنطقة، وسيشغل العالم الإسلامي بمشكلة طويلة معقدة تستنـزف طاقته وجهوده، وتبقيه إلى أبعد مدى ممكن في فلك التبعية والضعف والحاجة للعالم الغربي وقواه الكبرى. وكما أن هذا الكيان سيكون بحاجة إلى دعم الغرب لضمان استمراره، فإن الغرب كذلك سيكون بحاجة إليه لضمان ضعف العالم الإسلامي وتفككه وتبعيته. وبذلك ينشأ بينهما تحالف يهودي صهيوني-غربي صليبي لا ينفصم. وهنا تكمن أهمية أن يفهم المسلمون أن هذا المشروع موجه ضد كل مسلم وآماله في الوحدة والنهضة والتقدم وليس ضد الفلسطينيين وحدهم.
لقد عانى الغرب الصليبي من قرون طويلة من الصراع مع المسلمين،كانت فيه اليد الطولى للمسلمين نحو أحد عشر قرناً، وما كانت لتنتهي دولة مسلمة حتى تحل مكانها دولة مسلمة تجدد الحيوية في هذه الأمة، وتحفظ عزتها وكرامتها، فكانت دول الراشدين والأمويين والعباسيين والمماليك. وتمكن العثمانيون الذين خلفوا المماليك من فتح معظم أوربا الشرقية، ومن توحيد العالم العربي تحت رايتهم فكانوا حصناً عظيماً للإسلام قرون عديدة. غير أن ضعف الدولة العثمانية خصوصاً في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين جعل الأوربيين يفكرون بطريقة تضمن ألا تقوم بعد ذلك للعالم الإسلامي قائمة، وألا تحل محل العثمانيين دولة مسلمة جديدة، تبعث الحيوية والنهضة فيهم، فكانت فكرة الدولة الحاجزة.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.jerrara.tk
 
بحث : القضية الفلسطينية
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المرجو منكم إخواني الأفاضل و أخواتي الفضليات التسجيل معنا و مشاركتنا بما تفيض به أقلامكم  :: الطلبات والبحوث الدراسية-
انتقل الى: